فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 102

... وليس حافظ إبراهيم وليس أحمد محرم وليس علي الغاياتى الذي يصدر أول ديوان يحمل عنوان (وطنيتي) ، ويكون عنوان الديوان وحده ثورة، كيف يجرؤ واحد على أن يجعل (وطنيتي) عنوانًا للديوان. وليس سباق الشعراء المصريين على امتداد الربع الأول من القرن العشرين وما بعده في صياغة النشيد الوطني، ليس هذا كله إلا تعبيرًا عظيمًا عن العلاقة الشديدة بين إرساء القيمة وإحيائها وتجسيدها وبين ظهور الأدب. ولقد فوجئت عندما ذهبت إلى تونس في أحد المؤتمرات وسمعت النشيد القومي التونسي فإذا هو قصيدة مصطفى صادق الرافعي وقد حُرفت نوعًا من التحريف لكن شعراء مصر الوطنيين هم الذين أَرَّخوا وأسسوا لمعنى الوطنية حتى لدى الشعوب العربية الأخرى. ولم تكن أعلى الأصوات في الاهتزاز لما أصاب القومية العربية من جرح غائر في نكبة فلسطين إلا من خلال أصوات الشعراء المصريين أيضًا، الذين كانت أصواتهم في الإحساس بالفجيعة والإحساس بالنكبة هي التي يرددها المقاتلون وتقوي عزائم المجاهدين، وكانت تلك جزءًا من ميراث المقاتل العربي تأسيًا بالشعر، فكلمة الشعر التي تقال ليست مجرد أوزان تصاغ ولا جمل تحاك، وإنما هي كما كان يقول أبو تمام قديمًا:

ولولا خِلالٌ سنَّها الشعرُ ما دَرَى بناةُ العُلا مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى المكارِمُ

... وكما كان يقول أحد المحاربين وقد منع نفسه من الفرار في موقف شعري، في موقف قاسٍ في الحرب؛ لأنه تذكر مقطعًا من قصيدة مشهورة لشاعر يصف جَلَدَهُ في الحرب:

أبَتْ لي كلما جَشَأَتْ وجَاشَتْ ... وأَخْذِي الحَمدَ بالثَّمن الربيحِ

وَقَوْلي كلما جَشَأَتْ وجاشَتْ

... ... مكانَكِ تُحْمَدي أو تَسْتَريِحي

فيكون البيت نفسه مدعاة لأن يصمد مقاتل وأن ينفي العار عن نفسه وعن أمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت