الفصل الأول
الدلالة حقيقتها وأنواعها
قد أصبح علم الدلالة فنا جديدا وعلما حديثا معترفا به عند الأوربيين بإسم سيمانتيك ( Semantics) منذ مطلع القرن العشرين، إلا أنّ دراسته لم تبلغ بعد الرشد العلمي عندهم [1] . ولكن للعرب قدم سبق في هذا المجال، حيث إنّ قدماء العرب لم يتركوا هذا الفن إلا بحثوا عنه بحثا تاما بحيث يستوعب جميع جوانبه وكافة نواحيه، فهذا الفن ناضج عند العرب من قديم الزمان.
وقد شارك في هذا العلم المناطقة والأصوليون قديما، وقد جعله المناطقة مبحثا من مباحث المنطق، حيث بدءوا كتبهم بذكر مباحث الدلالة قبل الشروع إلى المقصود بالذات، ونظروا إلى الألفاظ من حيث دلالتها على معان مفردة ومركبة، وذلك لأنّ استخراج النتائج الفكرية يترتب على الدلالة التى تدل عليها القضية.
وكذلك قد أعطى الأصوليون في الدلالة اهتماما كبيرا نظرا لما للدلالة من أهمية عظيمة في استنباط الأحكام الشرعية من نصوص القرآن والسنة، فتتبعوا اللفظ مفردا ومركبا، مطلقا ومقيدا، خاصا وعاما، حقيقة ومجازا، ونظروا إلى المعنى ظهورا وخفاء، منطوقا ومفهوما، كليا وجزئيا، مطابقا وتضمنا والتزاما وما إلى ذلك. ووضعوا قواعد كلية لفهم دلالة النصوص لاستخراج أحكام الجزئية منها، وذلك لأنّ الفقيه لايستطيع استنباط الأحكام الفقهية من كتاب الله تعالى وسنة رسوله إلا إذا عرف جميع جوانب دلالة النصوص وكافة نواحيها، وعلم أصول الفقه هو الذي يتكفل بمعرفتها.
(1) د. رشيد بلحبيب، مقومات الدراسات النحوية، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية: عدد:6، ص:156