القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وغيرهما من النصوص التراثية، علما أنّه لا يتم معرفة أية لغة إلا بفهم تراثها العريق.
ولم اقصر جهدي في البحث على الكتب النحوية فحسب، بل استنبطت واستخرجت كثيرا من كتب التفسير والفقه والأصول والمنطق والبلاغة وغيرها من العلوم والفنون. علما أنّ كتب الأصول هي التى ساعدني كثيرا في هذا البحث، لأنّ مباحث الدلالة هو جزء لا يتجزأ من مباحث أصول الفقه، حيث بحث الأصوليون عن كثير من الدلالات النحوية ضمن مباحثهم عن الدلالات المختلفة للنصوص من القرآن والسنة، وذلك لما لهم من حاجة ماسة إلى معرفتها حتى تستنبط منها الأحكام الشرعية.
وكل قاعدة من القواعد النحوية لم توضع في اللغة العربية عبثا، بل لتأدية فائدة جليلة وتوظيف دلالة خاصة تتميّز عن الأخرى، وهذه القواعد منها ما يتعلق بالإعراب ومنها ما يتعلق بالصيغة ومنها ما يتعلق بالمفردات ومنها ما يتعلق بالتركيب، وكل من هذه العناصر تلعب دورا فعالا في توظيف الدلالة.
وكل واحد من الإعراب له دلالة خاصة لا توجد لغيره، فجعلوا للرفع دلالة وللنصب دلالة وللجر دلالة وللجزم دلالة، بحيث تختلف وتفترق دلالة كل واحد عن دلالة الآخر، وتختلف المعاني كلما يختلف الإعراب، ويخطأ في فهم المراد كلما يخطأ في الإعراب، ومن أمثلة ذلك ما وقع لأعرابي في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث قدم الأعرابي إلى المدينة لتعلم القرآن الكريم، فسمع واحدا يقرأ قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ} - بالجر، فترك القرآن قائلا:"اذا كان الله بريئا من رسوله فأنا أبرأ منه"، ثم لما علم أن القراءة الصحيحة هو برفع (رسوله) تاب ورجع حيث فهم المعنى الصحيح لما صح الإعراب. هكذا اللفظ الواحد وحده يؤدي إلى إيمان وكفر، لمجرد الاختلاف في الإعراب، حيث لم يتغير فيه إلاحركة اللام، فالكسرة فيه تدل على معنى فاسد يؤدي إلى كفر، والضمة تدل على معنى صحيح