قال الحسن: لقد صحبت أقوامًا يبيتون لربهم في سواد هذا الليل سجدًا وقيامًا يقومون هذا الليل على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم فمرة ركعا ومرة سجدا يناجون ربهم في فكاك رقابهم لم يملوا كلال السهر لما قد خالط قلوبهم من حسن الرجاء في يوم المرجع؛ فأصبح القوم بما أصابوا من النَّصَب لله في أبدانهم فرحين وبما يأملون من حسن ثوابه مستبشرين؛ فرحم الله امرءًا نافسهم في مثل هذه الأعمال ولم يرض من نفسه لنفسه بالتقصير في أمره واليسير من فعله فإن الدنيا عن أهلها منقطعة والأعمال على أهلها مردودة؛ قال [الراوي عنه] : ثم يبكي حتى تبتل لحيته بالدموع. (التهجد ص340-341)
قال الحسن: قد والله تعجبت [مـ] ـمن كان قبلكم كانوا إذا جنهم الليل فقيام على أطرافهم يفترشون وجوههم تجري دموعهم على خدودهم يناجون الذي خلقهم في فكاك رقابهم فنعتهم في كتابه أحسن النعت فقال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) ؛ والهون في كلام العرب السكينة والوقار (1) ؛ (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا؛ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) (2) ؛ هذه والله صفتهم، وهذه والله حليتهم؛ والله ما سلموا من الذنوب، ولا نجوا إلا بالمغفرة. (التهجد ص442)
قال علقمة بن مرثد في ذكر الثمانية من التابعين: وأما الحسن فما رأينا أحدًا أطول حزنًا منه؛ ما كنا نراه إلا حديث عهد بمصيبة، ثم قال: نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا، وقال: لا أقبل منكم شيئًا، ويحك يا ابن آدم هل لك بمحاربة الله يعني قوة، والله لقد رأيت أقوامًا كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه، ولقد رأيت أقوامًا يمسي أحدهم ولا يجد عنده إلا قوتًا فيقول: لا أجعل هذا كله في بطني فيتصدق ببعضه ولعله أحوج إليه ممن يتصدق به عليه. (السير 4/585)
(1) هذا كلام للحسن معترض في أثناء الآيتين.
(2) الفرقان (63-64) .