الوجه الثاني: أن تأخير الحجيج الوقوف في الحال الأولى قد بُنِيَ على دليل ظاهر، يجب العمل به، وهو وجوب إكمال العدة إذا كان بالسماء غيم ونحوه، فيعذرون في الخطأ.
وأما تقديمُ الحجيج الوقوفَ في الحال الثانية، فإنه خطأ غير مبني على دليل مُعْتبرٍ شرعًا، كالخلل في الشهود الذين شهدوا بتقديم الهلالِ، ومثل هذا يمكن الاحتراز عنه، بخلاف الحال الأولى، فلا يعذرون.
وشبيه بهذا: أنه إذا اشتبهت القبلة فَتَحرَّى، وصَلَّى إلى جهةٍ، ثُمَّ تبيَّنَ أنه أخطأ جهةَ القبلة جازتْ صلاته، ولو لم يتَحَرَّ، وصلَّى، ثم تَبَيَّنَ أنه أخطأ لم يجز [1] .
والظاهر للباحث رجحان ما قاله الحنابلة، من أن الحجاج لو أخطؤوا في الوقوف في غير يوم عرفة سواء في اليوم الثامن أم العاشر يصح وقوفهم، لدلالة الحديث الشريف على ذلك، اللهم إلا إذا كان هناك تقصير في مراقبة هلال ذي الحجة، والله تعالى أعلم.
وختامًا: صرَّح الشافعية بأن الحجاج إذا غلطوا في وقت الوقوف بعرفة بمقدار يومين، بأن وقفوا في اليوم السابع، أو الحادي عشر لم يصِحَّ وقوفهم، لتفريطهم في أمر رؤية الهلال [2] .
وبعد بيان مواقيت أعظم أركان الحج وهو الوقوف بعرفة، ننتقل إلى بيان مواقيت المرحلة التي تليه، وهي المبيت بمزدلفة، ثم الدفع منها إلى منىً، وبيان مواقيت ذلك في المبحث الآتي.
(1) انظر المراجع في هامش الحال الأولى.
فائدة: وقت وقوف من رُدَّتْ شهادته في هلال ذي الحجة: قال المالكية والشافعية: لو شهد واحد أو عدد برؤية هِلاَلِ ذي الحجة، وردت شهادتهم، لزمهم الوقوف في اليوم التاسع عندهم، وإن كان الناس يقفون في اليوم بعده، كمن شهد برؤية هلال رمضان فردت شهادته يلزمه الصوم.
وقال الحنفية: على مَنْ رُدَّت شهادته أن يقف مع الإمام، ولم يجزه وقوفه؛ لأن يوم النحر صار يوم الحج في حق الجماعة، ووقت الوقوف لا يجوز أن يختلف، فلا يعتدَّ بما فعله بانفراده. انظر بدائع الصنائع 2/ 126، مواهب الجليل 3/ 96، العزيز 3/ 419، 420.
(2) انظر المجموع 8/ 281.
فائدة: تقدم في مبحث الصوم أن ذكرت أن جمهور الفقهاء عدا الشافعية يقولون لا يُعتبر اختلاف المطالع، أي أن لكل بلد رؤيته، والظاهر من كلام الحنفية في باب الحج اعتبار اختلاف المطالع في هلال ذي الحجة كالشافعية. انظر غنية الناسك في بغية المناسك لمحمد حسن ساه المهاجر المكي ص159.