واستدلوا للوقوف بعد المغرب بحديث جابر رضي الله عنه السابق، وفيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يَزَلْ واقفًا حتى غربت الشمس.
والظاهر للباحث رجحان ما قاله الحنابلة، من أن وقت الوقوف يبدأ من فجر يوم عرفة ويستمر إلى فجر يوم النحر، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم السابق في حديث عروة- (( من ... وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا ) )والنهار إذا أُطْلِقَ حمل على مراد الشرع: وهو من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس.
المطلب الثالث
الخطأ في يوم عرفة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( فِطْرُكُمْ يومَ تُفْطِرُون، وأَضْحَاكُمْ يَومَ تُضَحُّونَ، وكُلُّ عرفةَ موقفٌ، وكل منىً مَنْحَرٌ، كُلُّ فجاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ، وكُلُّ جَمْعٍ موقفٌ ) ) [1] .
دَلَّ هذا الحديث على أن اليوم الذي يضحي فيه الناس هو يوم الأضحى، وإن ورد فيه الخطأ فلا يُلتفت إليه، وإذا ثبت أن يوم يضحي الناس هو يوم الأضحى، ثبت أن يوم عرفة هو اليوم الذي يُعَرِّف فيه الناس؛ لأن يوم الأضحى (يوم النحر) تشترك ليلته بوقت الوقوف بعرفة، لما مَرَّ من أن آخر وقت للوقوف بعرفه هو فجر يوم النحر.
وبناءً على ذلك إذا أخطأ الحجاجُ فوقفوا في غير يوم عرفة -سواء وقفوا قبل يوم عرفة بيوم أم بعده بيوم - فحجُّهم صحيح، وبهذا قال الحنابلة.
قالوا: ولو أخطأ العدد اليسير من الحجاج فاتهم الحج، حتى لو رأى الهلال طائفة يسيرة لم ينفردوا بالوقوف، بل الوقوف مع الجمهور، لأن الوقوف مرتين بدعة لم يفعله السلف الصالح، وقال بعض الحنابلة: عليه أن يقفَ مرتين إن وقف بعضهم، ولاسيما من رآه [2] .
وفَرَّقَ جمهور الفقهاء في خطأ يوم عرفة بين أن يخطئ الحجاج بالتأخير، بأن يقفوا يوم النحر، أو يخطئوا بالتقديم، بأن يقفوا يوم التروية:
(1) سنن أبي داود (2324) والترمذي برقم (697) وابن ماجه برقم (1660) ، وهو حديث حسن كما في سنن الترمذي.
ملحظ: روى البيهقي في السنن الكبرى (5/ 176) عن عبد العزيز بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( يوم عرفة اليوم الذي يعرفُ الناسُ فيه ) )قال البيهقي رحمه الله: «هذا مرسل جيد أخرجه أبو داود في المراسيل» .
(2) انظر المبدع 3/ 245، المغني 5/ 189، الروض المربع ص194، الموسوعة الفقهية الكويتية 19/ 153، 154.