المطلب الثاني
أَوَّلُ وقت الوقوف بعرفة
عن عُرْوة بن مُضَرِّسٍ الطائي رضي الله عنه أنه قال: أَتَيتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمُزْدَلِفَةَ، حينَ خرجَ إلى الصَّلاةِ، فَقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ! إني جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طَيءّ، أَكْلَلْتُ رَاحِلَتي وأَتْعَبْتُ نفسي، والله! ما تَرَكْتُ من حَبْلٍ [1] إلا وقفتُ عليهِ، فَهَلْ لي مِنْ حَجٍّ؟ فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( مَنْ شَهِدَ صَلاَتَنَا هذِهِ، ووَقَفَ مَعَنا حَتَّى نَدْفَعَ، وقد وقف بَعَرَفَةَ قَبْلَ ذلكَ لَيْلًا أو نَهَارًا، فقد أتمَّ حَجَّهُ، وقَضى تَفَثَه [2] ) [3] .
اختلف الفقهاء على ثلاثة أقوال في أول وقت الوقوف بعرفة، لاختلافهم في معنى الأحاديث السابقة أعنى حديث عروة، وحديث جابر رضي الله عنهما.
القول الأول: يبتدِئ وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة:
وبهذا قال الحنابلة، واستدلوا له بحديث عروة السابق، ومحل الشاهد فيه: (( وقد وقف بِعَرَفَةَ قبل ذلك ليلًا أو نهارًا ) )فقوله: «نهارًا» يشمل كل أجزاء النهار، وأول وقته طلوع الفجر، فيكون وقت الوقوف ابتداء من فجر يوم عرفة.
قال الحنابلة: فَمَنْ أدرك عرفة ولو لحظةً في شيءٍ من هذا الوقت -أي من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر - فقد تَمَّ حَجُّهُ، سواء كان جالسًا أو قائمًا، أو راكبًا، ولو نائمًا، قالوا ومَنْ وقف بعرفة نهارًا، وجب عليه أن يُتِمَّ وقوفه إلى غروب الشمس، ليجمع بين الليل والنهار في وقوفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقف بها حتى غربت الشمس كما مَرَّ في حديث جابر - الذي أوردته في أول المطلب السابق، ولأن في استدامة الوقوف إلى الغروب إظهار مخالفة المشركين، فإنهم كانوا يدفعون قبل الغروب على ما روى الحاكم رحمه الله عنِ المِسْورِ بن مَخْرَمَةَ رضي الله عنه أنه قال: خطبنا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعرفاتٍ فحمدَ اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: (( أما بعد، فإنَّ أهلَ الشركِ والأوثانِ كانُوا يدفعونَ مِنْ هذا الموضعِ إذا كانتِ الشمسُ على رُؤوسِ الجبالِ، كأنها عمائمُ
(1) حَبْلٍ: إن كان من رَمْلٍ يقالُ له: حَبْلٌ، وإذا كان من حجارة يقال له جبل. سنن الترمذي 3/ 230.
(2) «قَضَى تَفَثَهُ» : يعني قضى نسكه. انظر المرجع السابق.
(3) رواه أبو داود في المناسك، باب من لم يدرك عرفة، 2/ 196، 197، رقم (1950) ، والترمذي -واللفظ له- في الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، 3/ 229، 330، رقم (891) - قال الترمذي رحمه الله: «هذا حديث حَسَنٌ صحيحٌ» -ورواه النسائي في المناسك، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، 5/ 291، رقم (3041) ، وابن ماجه، في المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، 2/ 1004، رقم (3016) ، وأحمد 4/ 261، 262.