الصفحة 764 من 1282

الطاعة ، والخلاصة: إنه لم يأت بلفظ الجلالة ، لما في لفظ الرّب من معنى الذي ربّاك ، ونظر في مصلحتك ، وجاء الخطاب ليدل على التأنيس والاختصاص ، أي ليس لك ربّ غيره.

وإنما أضاف ذاته إلى رسوله ، فقال: بِاسْمِ رَبِّكَ للدلالة على أنه له ،تصل إليه منفعته ، أما طاعة العبد فلا تحقق منفعة للَّه ، فإذا أتى بما طلبه منه من طاعة أو توبة ، أضافه إلى نفسه بوصف العبودية ، فقال: أَسْرى بِعَبْدِهِ [/ الإسراء 17/ 1] .

وإنما ذكر قوله الَّذِي خَلَقَ بعد قوله: رَبِّكَ للاستدلال على أنه ربّه ، وهو الذي أوجده ، فصار موجودا بعد أن كان معدوما ، والخلق والإيجاد تربية ، وكذلك جاء بصفة الخالق ، أي المنشئ للعالم ، للإتيان بصفة لا يمكن للأصنام شركة فيها ، فيكون ردّا على العرب التي كانت تسمي الأصنام أربابا.

اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ أي افعل ما أمرت به من القراءة ، وربّك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم من كل كريم ، ومن كرمه: تمكينك من القراءة وأنت أمّي. وإنما كرر كلمة اقْرَأْ للتأكيد ، ولأن القراءة لا تتحقق إلا بالتكرار والإعادة. وقوله: وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ لإزاحة المانع ، وإزالة العذر الذي اعتذر به النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل حين طلب منه بقوله: اقْرَأْ ، فقال: ما أنا بقارئ.

والأوجه: أن يراد بقوله الأول: اقْرَأْ: أوجد القراءة ، وبالثاني:استعن باسم ربّك.

ثم قرن القراءة بالكتابة ، فقال:الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ أي علّم الإنسان الكتابة بالقلم ، فهو نعمة عظيمة من اللَّه عزّ وجلّ ، وواسطة للتفاهم بين الناس كالتعبير باللسان ولولا الكتابة لزالت العلوم ، ولم يبق أثر لدين ، ولم يصلح عيش ، ولم يستقر نظام ، فالكتابة قيد العلوم والمعارف ، ووسيلة ضبط أخبار الأولين ومقالاتهم ، وأداة انتقال العلوم بين الأمم والشعوب ، فتبقى المعلومات ، ثم يبنى عليها ويزاد إلى ما شاء اللَّه ، فتنمو الحضارات ،وتسمو الأفكار ، وتحفظ الأديان ، وتنشر الهداية.َعَنْ ثُمَامَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا أَنَسٌ: قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ [1] .

لهذا بدأت دعوة الإسلام بالترغيب في القراءة والكتابة ، وبيان أنها من آيات اللَّه في خلقه ، ومن رحمته بهم ، وكانت معجزة محمد - صلى الله عليه وسلم - الخالدة ، وهو العربي الأميّ ، قرآنا يتلى ، وكتابا يكتب ، وأنه بذلك نقل أمته من حال الأميّة والجهل إلى أفق النور والعلم ، كما قال تعالى ممتنا بذلك: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ ، يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ، وَيُزَكِّيهِمْ ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة 62/ 2] .

(1) - أخبار أصبهان (1809 ) وتقييد العلم للخطيب البغدادي (111) ومجمع الزوائد (681 ) وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، والحديث صحيح مرفوعًا لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت