الصفحة 763 من 1282

القادر على كل موجود ، ولقد كرر الأمر بالقراءة لأنها تحصل للإنسان العادي بالتكرار. وتكون للمصطفى - صلى الله عليه وسلم - بتكرير الأمر ، وإذا كان اللّه أكرم من كل كريم ، أفيصعب عليه أن يهبك نعمة القراءة وحفظ القرآن وأنت لم تأخذ بأسبابها العادية ، اقرأ إن شئت قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [سورة القيامة آية 67] سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [سورة الأعلى آية 6] .

اقرأ وربك الأكرم الذي علم الناس كيف يتفاهمون بالقلم مع بعد المسافة ، وطول الزمن ، وهذا بيان لمظهر من مظاهر القدرة والعلم عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ نعم لقد أودع اللّه في الإنسان من الغرائز والتفكير ما جعله يبحث ويستقصى ، ويجرب حتى وصل إلى معرفة أسرار الكون ، وطبائع الأشياء فاستخدم كل هذا له وسخره لإرادته خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة 29] وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [البقرة 31] .

ترى أن اللّه أمر نبيه بالقراءة عامة وخاصة القرآن ثم بين له أن هذا أمر ممكن بالنسبة للّه الذي خلق الخلق ، وخلق الإنسان من علق ، وهو الكريم الذي لا يبخل وخاصة على رسوله ، وهو الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم. [1]

التفسير والبيان:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ أي اقرأ مبتدئا باسم ربّك ، أو مستعينا باسم ربّك ، الذي أوجد وخلق كل شي ء. وقد وصف اللَّه لنا نفسه بأنه الخالق للتذكير بأول النعم وأعظمها. والمراد: الأمر من اللَّه لنبيّه بأن يصير قارئا ، بقدرة اللَّه الذي خلقه وإرادته ، وإن لم يكن من قبل قارئا ولا كاتبا ، فمن خلق الكون قادر على أن يوجد فيه القراءة ، وإن لم يتعلمها سابقا.

خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ أوجد بني آدم من قطعة دم جامد وهي العلقة ، التي هي طور من أطوار خلق الجنين ، فإنه يبدأ نطفة ، ثم يتحول بقدرة اللَّه إلى علقة: وهي كأنها قطعة من الدم الجامد ، ثم يكون مضغة: وهي كأنها قطعة لحم ، ثم يظهر فيها بقية التخليق من عظام ، فلحم ، فإنسان كامل الخلقة.

ويلاحظ أنه تعالى أطلق الخلق أولا ليتناول كل المخلوقات ، ثم خصّ الإنسان بالذّكر لشرفه ، أو لعجيب فطرته ، أو لأن الآية سيقت من أجله.

وإنما قال: باسم ربّك ، ولم يقل: باسم اللَّه كما في التسمية المعروفة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لأن الربّ: من صفات الفعل ، واللَّه: من أسماء الذات ، وبما أنه أمره بالعبادة ، وصفات الذات لا تستوجب شيئا ، وإنما يستوجب العبادة صفات الفعل ، فكان ذلك أبلغ في الحثّ على

(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (3 / 883)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت