الصفحة 14 من 73

المطلب الرابع:

أنّ تعاليلَ بعض الأئمة للأخبار مبنيةٌ -في الغالب- على الاختصار، والإجمال، والإشارة فيقولون مثلًا"الصواب رواية فلان"، أو"وَهِمَ فلان"أو"حديث فلان يشبه حديث فلان"أو"دَخَلَ حديثٌ في حديث" [1] ولا يذكرون الأدلة والأسباب التي دعتهم إلى ذلك القول-مع وجودها عندهم واستحضارهم إياها- وسببُ ذلك أنّ كلامهم في الغالب موجه إلى أناسٍ يفهمون الصناعة الحديثية والعلل والإشارة فيدركون المراد بمجرد إشارة الإمام للعلة وذكرها، وقد خشي الأئمة من أنْ يساء الظن بهم إذا تكلموا بهذا الفن عند من لا يحسنه ولا يفهمه.

قَالَ الإمامُ مسلم بنُ الحجاج: (( أمّا بعد: فإنك -يرحمك الله - ذكرتَ أنّ قِبَلكَ قومًا ينكرون قولَ القائلِ مِنْ أهلِ العلم إذا قَالَ: هذا حديثٌ خطأ، وهذا حديثٌ صحيحٌ، وفلانٌ يخطئ في روايته حديث كذا، والصوابٌ ما روى فلانٌ بخلافهِ، وذكرتَ أنهم استعظموا ذلكَ مِن قولِ من قاله ونسبوه إلى اغتيابِ الصالحين مِنْ السلف الماضين، وحتى قالوا: إن مِن ادعى تمييز خطأ روايتهم من صوابها متخرص بما لا علم له به، ومدعِ علمَ غيب لا يوصل إليه، واعلم -وفقنا الله وإياكَ- أنْ لولا كثرة جهلة العوام مستنكرى الحق ورايه بالجهالة لما بان فضل عالم على جاهل، ولا تبين علم من جهل، ولكن الجاهل ينكر العلم لتركيب الجهل فيه، وضد العلم هو الجهل، فكلُّ ضد ناف لضده، دافع له لا محالة، فلا يهولنك استنكار الجهالِ وكثرة الرعاع لما خص به قوم وحرموه فإنَّ اعتدادَ العلم دائرٌ إلى معدنه، والجهل واقف على أهله ) ) [2] .

وَقَالَ أبو داود في رسالتهِ إلى أهلِ مكة: (( لأنه ضررٌ على العامةِ أن يكشف لهم كل ما كَانَ من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث، لأنَّ علمَ العامة يقصر عَنْ مثل هذا ) ) [3] -وانظر تعليق ابن رَجَب على كلام أبي داود في شرح العلل [4] -.

(1) يتضح هذا من مراجعة عِلَل ابن أبي حاتم، وعلل الترمذي الكبير، وعلل ابن عمار، وغيرها من كتب العلل.

(2) التمييز (169) .

(3) (ص30) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت