وهذا حادث عند كثير من الآباء للأسف، مع أن له أثرا سيئا على مستقبل الطفل ونظرته للحياة فإن من يتربى على عدم الثقة بنفسه واحتقار ذاته سوف ينشأ على الجبن والخور وعدم القدرة على مواجهة أعباء الحياة وتحدياتها حتى بعد أن يصبح راشدا.
فينبغي إذا أن نعدَّ أبناءنا للقيام بأمور دينهم ودنياهم وذلك لن يكون إلا بتربيتهم على الثقة بالنفس والاعتزاز بالذات بدون غرور أو تكبر، والحرص على ربط الولد بمعالي الأمور وإبعاده عن سفاسفها وإليكم نموذجًا يبين ما كان عليه أولاد السلف من أدب الكلام، وحسن الخطاب، وجمال القول، لتعلموا - أيها الآباء - كيف كان الأولاد في الماضي يتحدثون ويتكلمون:
قَحطتِ البادية في أيام هشام بن عبد الملك، فقدمت القبائل إلى هشام، ودخلوا عليه، وفيهم"درواس بن حبيب"وعمره أربع عشرة سنة، فأحجم القوم، وهابوا هشامًا، ووقعت عين هشام على"درواس"فاستصغره، فقال لحاجبه: ما يشاء أحد أن يصل إليّ إلا وصل، حتى الصبيان؟!. فعلم"درواس"أنه يريده، فقال: يا أمير المؤمنين! إن دخولي لم يُخلّ بك شيئًا ولقد شرّفني، وإن هؤلاء القوم قدموا لأمر أحجموا دونه، وإن الكلام نشر، والسكوت طيّ، ولا يُعرف الكلام إلا بنشره، فقال هشام: فانشر لا أبّا لك!!.. وأعجبه كلامه.
فقال: يا أمير المؤمنين! أصابتنا ثلاث سنين: فسنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة نقّت العظم، وفي أيديكم فضول أموال إن كانت لله ففرقوها على عباد الله المستحقين لها.. وإن كانت لعباد الله فعلامَ تحبسونها عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم فإن الله يجزي المتصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين.
واعلم يا أمير المؤمنين: أن الوالي من الرعية كالروح من الجسد، لا حياة للجسد إلا به.
فقال هشام: ما ترك الغلام في واحدة من الثلاث عذرًا، وأمر أن يقسم في باديته مائة ألف درهم، وأمر لدرواس بمائة ألف درهم.