قال ابن بطال:"اختلف العلماء في الرجل ينحل بعض ولده دون البعض، فكرهه طاوس، وقال: لا يجوز ذلك، ولا رغيف محرق، وهو قول عروة، ومجاهد، وبه قال أحمد، وإسحاق، قال إسحاق: فإن فعل فالعطية باطلة، وإن مات الناحل فهو ميراث بينهم."
واحتجوا بأن النبى، عَلَيْهِ السَّلام، رد عطية النعمان، وقال له: « اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم » ، وبقوله: « لا أشهد على جور » ، وأجاز ذلك مالك في الأشهر عنه، وهو قول الكوفيين، والشافعى، وإن كانوا يستحبون أن يسوى بينهم ذكرانًا كانوا أو إناثًا.
وقال عطاء وطاوس: يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، كما قسم الله بعد موته، وهو قول الثورى، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق. وقال سحنون: إذا تصدق بجل ماله ولم يكن فيما استبقى ما يكفيه، ردت صدقته، وإن أبقى من ذلك ما يكفيه جازت صدقته. وقد قال مالك: لم يكن لبشير مال غير الغلام الذى نحله ابنه.
ومن حجة الذين أبطلوا ذلك أن إعطاء بعضهم دون بعض يؤدى إلى قطع الرحم والعقوق، فيجب أن يكون محرمًا ممنوعًا منه؛ لأنه لا يجوز عليه - صلى الله عليه وسلم - أن يحث على صلة الرحم ويجيز ما يؤدى إلى قطعها، قالوا: وقد كان النعمان وقت ما نحله أبوه صغيرًا، وكان أبوه قابضًا له لصغره عن القبض، فلما قال له، عَلَيْهِ السَّلام: اردده، بعدما كان في حكم ما قبض، دل على أن النحل لبعض ولده لا ينعقد ولا يملكه المنحول." [1] "
وقال الحافظ في الفتح:"وَاخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِي هَذِهِ الْقِصَّة الْوَاحِدَة يَرْجِع إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ السَّوِيَّة فِي عَطِيَّة الْأَوْلَاد، وَبِهِ صَرَّحَ الْبُخَارِيّ، وَهُوَ قَوْل طَاوُسٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق، وَقَالَ بِهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة . ثُمَّ الْمَشْهُور عَنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهَا بَاطِلَة . وَعَنْ أَحْمَد تَصِحُّ، وَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ . وَعَنْهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ إِنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ، كَأَنْ يَحْتَاجَ الْوَلَد لِزَمَانَتِهِ وَدَيْنه أَوْ نَحْو ذَلِكَ دُون الْبَاقِينَ . وَقَالَ أَبُو يُوسُف: تَجِب التَّسْوِيَة إِنْ قَصَدَ بِالتَّفْضِيلِ الْإِضْرَار . وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ التَّسْوِيَة مُسْتَحَبَّة، فَإِنْ فَضَّلَ بَعْضًا صَحَّ وَكُرِهَ . وَاسْتُحِبَّتْ الْمُبَادَرَة إِلَى التَّسْوِيَة أَوْ الرُّجُوع، فَحَمَلُوا الْأَمْر عَلَى النَّدْب"
(1) - شرح ابن بطال - (13 / 98)