وشدة حاجته إليه وعلمه بضعفه وعجزه وذله وقوة سيده وعزته. فيجتمع في هذه الأحوال كسرة وذل وخضوع ما أنفعها للعبد وما أجدى عائدتها عليه وما أعظم جبره بها وما أقربه بها من سيده فليس شيء أحب إلى سيده من هذه الكسرة والخضوع والتذلل والإخبات والانطراح بين يديه والاستسلام له.
فلله ما أحلى قوله في هذه الحال أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني وفقري إليك هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير وليس لي سيدٌ سواك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دُعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه.
فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم توبته وليرجع إلى تصحيحها فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة وما أسهلها باللسان والدعوى، وما عالج الصادق بشيء أشد عليه من التوبة الخالصة الصادقة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وحقائق التوبة ثلاثة: وعد منها اتهام التوبة قال: لأنها حق عليه لا يتيقن أنه أدى هذا الحق على الوجه المطلوب منه الذي ينبغي له أن يؤديه عليه، فيخاف أنه ما وفاها حقها وأنها لم تقبل منه وأنه لم يبذل جهده في صحتها، وأنها توبة علة وهو لا يشعر بها كتوبةِ أرباب الحوائج والإفلاس والمحافظين على حاجاتهم ومنازلهم بين الناس.
أو أنه تاب محافظةً على حاله فتاب للحال لا خوفًا من ذي الجلال، أو أنه تاب طلبًا للراحة من الكد في تحصيل الذنب أو اتقاء ما يخافه على عرضه