الفصل الثالث
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى: مما ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصي تضر، ولا بد أن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء؛ إلا بسبب الذنوب والمعاصي؟
إلى أن قال - رحمه الله: فما الذي أخرج الأبوين من الجنة والنعيم واللذة والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه، فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع وبدل بالقرب بُعدًا وبالرحمة لعنةً وبالجمال قُبحًا وبالجنة نارًا تلظى وبالإيمان كُفرًا، وبموالاة الولي الحميد عداوةً ومشاقة وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله تعالى غاية الهوان وسقط من عينه غاية السقوط وحل عليه غضب الرب تعالى فأهواه، ومقته أكبر المقت فأرداه، فصار قوادًا لكل فاسق ومجرم رَضيَ لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة.
فعياذًا بك اللهم من مخالفة أمرك وارتكاب نهيك.
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رءوس الجبال، وما الذي سلط الريح على قوم عادٍ حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عِبرةً للأمم إلى يوم القيامة.
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم، وما الذي رفع قُرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم