فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 51

وأشار الإمام الشاطبي إلى تعدد القضايا في السورة الواحدة ، وأكد أن هذا التعدد لا يمنع من وجود الترابط والتناسب بين الآيات ، فقال: ( غيرأن الكلام المنظور فيه ، تارة يكون واحدا بكل اعتبار ، بمعنى: أنه أنزل في قضية واحدة ، طالت أو قصرت ، وعليه أكثر سور المفصل . وتارة يكون متعددا في الاعتبار ، بمعنى: أنه أنزل في قضايا متعددة ، كسورة البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، واقرأ باسم ربك وأشباهها ، ولا علينا أنزلت السورة بكمالها دفعة واحدة ، أم نزلت شيئا بعد شيء . ويقول: فسورة البقرة مثلا كلام واحد باعتبار النظم ، واحتوت على أنواع من الكلام بحسب ما بث فيها ، منها ما هو كالمقدمات والتمهيدات بين يدي الأمر المطلوب ، ومنها ما هو كالمؤكد والمتمم ، ومنها ما هو المقصود في الانزال ... ثم يقول: وسورة المؤمنين نازلة في قضية واحدة ، وإن اشتملت على معان كثيرة ، فإنها من المكيات ، وغالب المكي أنه مقرر لثلاثة معان ، أصلها معنى واحد ، وهو: الدعاء إلى عبادة الله تعالى ... إلى أن يقول: فالقرآن كله كلام واحد بهذا الإعتبار .) 117

وإضافة لما سبق يمكنني القول: بأن التعدد والتنوع في القضايا والأغراض ، هو نفسه الدافع إلى تلمس وجه المناسبة بين الآية وجارتها ، أما إذا كان المعنى واحدا في آيات السورة ، فلماذا نلتمس المناسبة ..؟ وهل تعقد مناسبة بين الشيء ونفسه ..؟

ثم إن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم ، وتحداهم أن يأتوا بمثله ، وتدرج معهم في التحدي ، إلى أن اقتصر التحدي على سورة واحدة: ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ..) 118 ، لم يقولوا إنه مختلف القضايا والأغراض ، لا رابطة تربطها ، ولا سياق يجمعها . ولو كان في وسعهم - و هم أرباب الفصاحة ، وفرسان البيان - ، أن يجدوا ثغرة للنفاذ منها لقول مثل ذلك لما ترددوا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت