85.التيمم بضربتين. [1]
86.التيمم لكل صلاة. [2]
(1) (التحديث)
قال في المغني: المسنون عند أحمد التيمم بضربة واحدة فإن تيمم بضربتين جاز وقال القاضي الإجزاء يحصل بضربة والكمال ضربتان والمنصوص ما ذكرناه قال الأثرم قلت لأبي عبد الله التيمم ضربة واحدة فقال نعم ضربة للوجه والكفين ومن قال ضربتين فإنما هو شيء زاده قال الترمذي وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم منهم علي وعمار وابن عباس وعطاء والشعبي ومكحول والأوزاعي ومالك وإسحاق قال الشافعي لا يجزئ التيمم إلا بضربتين للوجه واليدين إلى المرفقين وروي ذلك عن ابن عمر وابنه سالم والحسن والثوري وأصحاب الرأي لما روى ابن الصمة أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم فمسح وجهه وذراعيه وروى ابن عمر وجابر وأبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ولأنه بدل يؤتى به في محل مبدله وكان حده عنهما واحدا كالوجه ولنا ما روى عمار قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت لم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه وجهه متفق عليه ولأنه حكم علق على مطلق اليدين فلم يدخل فيه الذراع كقطع السارق ومس الفرج وقد احتج ابن عباس بهذا فقال إن الله تعالى قال في التيمم فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) المائدة 6، وقال: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) المائدة 38، كانت السنة في القطع من الكفين إنما هو الوجه والكفان يعني التيمم وأما أحاديثهم فضعيفة قال الخلال الأحاديث في ذلك ضعيفة جدا ولم يرو منها أصحاب السنن إلا حديث ابن عمر وقال أحمد ليس بصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو عن ابن عمر وهو عندهم حديث منكر وقال الخطابي يرويه محمد بن ثابت وهو ضعيف وقال ابن عبد البر لم يروه غير محمد بن ثابت وبه يعرف ومن أجله ضعف عندهم وهو حديث منكر وحديث ابن الصمة صحيح لكن إنما جاء في المتفق عليه فمسح وجهه ويديه فيكون حجة لنا لأن ما علق على مطلق اليدين لا يتناول الذراعين ثم أحاديثهم لا تعارض حديثنا فإنها تدل على جواز التيمم بضربتين ولا ينفي ذلك جواز التيمم بضربة كما أن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثلاثا لا ينفي الإجراء مرة واحدة وإن قيل فقد روي في حديث عمار إلى المرفقين ويحتمل أنه أراد بالكفين اليدين إلى المرفقين قلنا أما حديثه إلى المرفقين فلا يعول عليه إنما رواه سلمة وشك فيه فقال له منصور ما تقول فيه فإنه لا يذكر الذراعين أحد غيرك فشك وقال لا أدري أذكر الذراعين أم لا قال ذلك النسائي فلا يثبت مع الشك وقد أنكر عليه وخالف به سائر الرواة الثقات، فكيف يلتفت إلى مثل هذا وهو لو انفرد لم يعول عليه ولم يحتج به. وأما التأويل فباطل لوجوه أحدها أن عمارا الراوي له لحاكي لفعل النبي صلى الله عليه وسلم أفتى بعد النبي صلى الله عليه وسلم في التيمم للوجه والكفين عملا بالحديث وقد شاهد فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والفعل لا احتمال فيه والثاني أنه قال ضربة واحدة وهم يقولون ضربتان والثالث أننا لا نعرف في اللغة التعبير بالكفين عن الذراعين والرابع أن الجمع بين الخبرين بما ذكرناه من أن كل واحد من الفعلين جائز أقرب من تأويلهم وأسهل وقياسهم ينتقض بالتيمم عن الغسل الواجب فإنه ينقص عن المبدل وكذلك في الوضوء فإنه في أربعة أعضاء والتيمم في عضوين وكذا نقول في الوجه فإنه لا يجب مسح ما تحت الشعور الخفيفة. فصل ولا يختلف المذهب أنه يجزئ التيمم بضربة واحدة وبضربتين وإن تيمم بأكثر من ضربتين جاز أيضا لأن المقصود إيصال التراب إلى محل الفرض فكيفما حصل جاز كالوضوء.
(2) (التحديث)
قال في نصب الراية:"روى الدارقطني من حديث الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عن بن عباس قال من السنة أن لا يصلي بالتيمم أكثر من صلاة واحدة والحسن بن عمارة تكلموا فيه وقال بعضهم فيه متروك وذكره مسلم في مقدمة كتابه في جملة من تكلم فيه والله اعلم وروى البيهقي من حديث نافع عن بن عمر قال يتيمم لكل صلاة وان لم يحدث وقال إسناده صحيح واخرج أيضا عن هشيم عن حجاج عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال يتيمم لكل صلاة وقال إسناده ضعيف واخرج أيضا عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن عمرو بن العاص كان يحدث لكل صلاة تيمما قال معمر وكان قتادة يأخذ به انتهى وقال هذا مرسل و لأصحابنا حديث التيمم وضوء المسلم ما لم يجد الماء."
و قال شيخ الإسلام في الفتاوى الجزء (21) صفحة (436) : التيمم يقوم مقام الماء مطلقا يستبيح به كما يستباح بالماء ويتيمم قبل الوقت كما يتوضأ قبل الوقت ويبقى بعد الوقت كما تبقى طهارة الماء بعده. وإذا تيمم لنافلة صلى به الفريضة كما أنه إذا توضأ لنافلة صلى به الفريضة. وهذا قول كثير من أهل العلم وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الثانية. وقال أحمد: هذا هو القياس. وهذا القول هو الصحيح وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار ; فإن الله جعل التيمم مطهرا كما جعل الماء مطهرا. فقال تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} الآية. فأخبر تعالى أنه يريد أن يطهرنا بالتراب كما يطهرنا بالماء. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {فضلنا على الناس بخمس: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وأحلت لنا الغنائم ولم تحل لأحد قبلي. وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وفي لفظ فأيما رجل أدركته الصلاة من أمتي فعنده مسجده وطهوره وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة. وبعثت إلى الناس عامة} وفي صحيح مسلم عن حذيفة أنه صلى الله عليه وسلم قال: {فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض مسجدا وتربتها لنا طهورا} . فقد بين صلى الله عليه وسلم: أن الله جعل الأرض لأمته طهورا كما جعل الماء طهورا. وعن أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: {الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجدته الماء فأمسسه بشرتك فإن ذلك خير} قال الترمذي حديث حسن صحيح. فأخبر أن الله جعل الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين. فمن قال إن التراب لا يطهر من الحدث فقد خالف الكتاب والسنة. وإذا كان مطهرا من الحدث امتنع أن يكون الحدث باقيا مع أن الله طهر المسلمين بالتيمم من الحدث فالتيمم رافع للحدث مطهر لصاحبه لكن رفع موقت إلى أن يقدر على استعمال الماء فإنه بدل عن الماء فهو مطهر ما دام الماء متعذرا كما أن الملتقط يملك اللقطة ما دام لم يأته صاحبها وكان ملك صاحبها ملكا موقتا إلى ظهور المالك فإنه كان بدلا عن المالك فإذا جاء صاحبها خرجت عن ملك الملتقط إلى ملك صاحبها. وما ثبت بنص أو إجماع لا يطلب له نظير يقاس به وإنما يطلب النظير لما لا نعلمه إلا بالقياس والاعتبار. فيحتاج أن نعتبره بنظير وأما ما شرعه الله ورسوله فعلينا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا نطلب لذلك نظيرا مع أن الاعتبار يوافق النص. كما قال أحمد القياس أن تجعل التراب كالماء. وعلى هذا القول الصحيح يتيمم قبل الوقت إن شاء ويصلي ما لم يحدث أو يقدر على استعمال الماء وإذا تيمم لنفل صلى به فريضة. ويجمع بالتيمم الواحد بين فرضين ويقضي به الفائت.
وقال في عون المعبود: (ولو إلى عشر سنين) المراد بالعشر التكثير لا التحديد ومعناه أي له أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى وإن بلغت مدة عدم الماء واتصلت إلى عشر سنين وليس في معنى أن التيمم دفعة واحدة تكفيه لعشر سنين وكذلك قوله عليه السلام وما بدالك في المسح على الخفين قاله الخطابي في المعالم وفيه دليل على أن خروج الوقت غير ناقض للتيمم بل حكمه حكم الوضوء قال الخطابي ويحتج بهذا الحديث من يرى أن للمتيمم أن يجمع بتيممه بين صلوات ذوات عدد وهو مذهب أصحاب الحديث قال الحافظ بن حجر واحتج البخاري لعدم وجوب التيمم لكل صلاة بعموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمران عليك بالصعيد فإنه يكفيك قال الحافظ وهذه المسألة وافق فيها البخاري الكوفيين والجمهور وذهب بعض من التابعين إلى خلاف ذلك انتهى قلت مذهب الجمهور قوي وقد جاء آثار تدل على ما ذهب إليه البعض من التابعين من أن المصلي يجدد التيمم لكل صلاة لكن أكثرها ضعيف وما صح منها فليس فيها شيء يحتج به على فرضية التجديد فهي محمولة على الاستحباب فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك أمس أمر من الإمساس والمعنى إذا وجدت الماء فعليك أن تتوضأ أو تغتسل قال الخطابي ويحتج بهذا الحديث في إيجاب انتقاض طهارة المتيمم بوجود الماء على عموم الأحوال سواء كان في صلاة أو غيرها انتهى.