كانت هذه الدّراسة واعية بقلّة ما كتب حديثًا في النقد العربي عن المتلقي وقضاياه المبثوثة في مؤلّفات النقد العربي القديم , وتبيَّنت أنَّ الإحجام في جزء منه كان مبنيًّا على تصوّر إهمال محور المتلقي في ذلك النقد, اقتناعًا بما ذكره أصحاب نظريّة التلقي من أنَّ التوجّه إلى دراسة المتلقي وقضاياه إنّما هو توجّه حديث, ساد في الدّراسات النقديّة بعد أن أُهمل هذا المحور كثيرًا في سياق الاهتمام بالمبدع ومن ثمَّ النصّ. وإذا كان هذا الرأي مقبولًا فيما يخصّ النقد الغربي وصيرورته التاريخيّة, وتعاقب المناهج فيه على ما تمليه الناحية الظرفيّة وسياق التحوّلات, فلا يُقبل هذا الرأي في إطلاقه على ما يتعلّق بالآداب الأخرى, وهو ما وقع فيه بعض النقّاد العرب المعاصرين حين اطمأنّوا لمقولة التعميم هذه, دون استقصاء حقيقي يثبت صحتها, وقد كان الردّ في موضعه من البحث حول هذا الرأي وعدم صحته, إذ تبيّن للباحث -كما هو حال من بحث هذه القضيّة- أنَّ محور المتلقي من أهم المحاور التي اهتمّ بها النقد العربي القديم, وقد وصلت في ذلك إلى نتائج مهمّة يمكن إيجازها فيما يلي:
1 -لايمكن معاملة النقد العربي القديم ونقّاده بآراء مسقطة تحاول أن تضمّهم في حيّز واحد, إذ تبيّن من خلال بحث قضيّة التلقي في ذلك النقد تعدّد آراء أولئك النقّاد, واختلاف توجههم, وربما تباين المواقف في بعض الأحيان, وهو ما يُثري ذلك النقد, ويجعل من إطلاق الأحكام مجانبًا للصّواب في كثير من الأحيان.