الصفحة 68 من 232

الاستعارة والقيمة البيانية في التصوير: -

يقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني عنها:"هي أمد ميدانًا، وأشد افتنانًا، وأكثر جريانًا، وأعجب حسنًا وإحسانًا، وأوسع سعة، وأبعد غورًا، وأذهب نجدًا في الصناعة وغورًا، من أن تجمع شعبها، وشعوبها، وتحصر فنونها وضروبها، نعم، وأسحر سحرًا، وأملأ بكل ما يملأ صدرًا، ويمتع عقلًا ويؤنس نفسًا، ويوفر أنسًا، وأهدى إلى أن تهدي إليك أبدًا عذارى قد تخير لها الجمال، وعني بها الكمال، وأن تخرج لك من بحرها جواهر إن باهتها الجواهر مدت في الشرف والفضيلة باعًا لا يقصر، وأبدت من الأوصاف الجليلة محاسن لا تنكر، وردت تلك بصفرة الخجل، ووكلتها إلى نسبتها من الحجر، وأن تثير من معدنها تبرًا لم تر مثله، ثم تصوغ فيها صياغات تعطل الحلى، وتريك الحلى الحقيقة، وأن تأتيك على الجملة بعقائل يأنس إليها الدين والدنيا، وفضائل لها من الشرف الرتبة العليا، وهي أجلُّ من أن تأتي الصفة على حقيقة حالها، وتستوفي جملة جمالها" [1] .

فهذا قول تلوح من تضاعيفه فرائد بلاغة الاستعارة، وسر إبداع أدائها في الكلام، فما تتضمنه صياغتها المتميزة، ونسجها الفني حري بأن تكون بسبب منه في قمة الجمال البياني، اللفظي والمعنوي، فهي ضرب من المجاز اللغوي في الكلام، والخيال الفني في التعبير والتصوير.

وسمتها البلاغي يكمن في أنها تتضمن تفصيلًا، وترسم أبعادًا للصورة لا تتضمنه الحقيقة، وفيها يندمج الانفعال مع الواقع، فيُكون في الخيال معالم جديدة، وأوصاف مستحدثة للأشياء المألوفة، تتوافق مع الحالة النفسية، والغرض الشخصي للأديب شاعرًا كان أم ناثرًا، فتكون بذلك معانيه أشد تأثيرًا، ودعواه أبين وضوحًا، إذ تدل على غاية الوصف، الناتج عن صدق النفس، أو إبداع العقل، وتفوق الموهبة.

والاستعارة مجاز يقوم في أساسه على المشابهة، غير أن"من شأن الاستعارة أنك كلما زدت إرادتك التشبيه إخفاء، ازدادت الاستعارة حسنًا، حتى إنك تراها"

(1) أسرار البلاغة، ص: 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت