به الشيخ عبد القاهر الجرجاني ورفضه، أن تجتلب اللفظ من أجل السجع ولا ترسل المعاني على سجيتها [1] .
وإذ كان السجع هو الأثر الصوتي الأبرز وضوحًا وجمالًا، في إحداث التناغم الموسيقي النثري في الأدب العربي، فهو دليل فني على البراعة البلاغية إذا ما أتى ليعبر عن معنى نفسي، أو عقلي يُنسج في سياق النصوص التعبيرية؛ والسجع في الأندلس هو"أحد هذه النتائج الحضارية، ... ولو لم يوجد في المشرق، لأوجده الأندلسيون، لأنه نتاج طبيعي للقاء بين الخصائص التعبيرية والموسيقية للغة العربية، وبين ما يفترضه التطور الحضاري من التنميق" [2] .
والقارئ لرسالة"التوابع والزوابع"لابن شهيد الأندلسي - وهو الأثر النثري الأبرز انتشارًا في الأدب الأندلسي - يلمس في مستوى السجع تفوقه وتميزه كلون بديعي سائد الظهور في سطورها، فالكاتب يجد فيه وسيلة فعالة في تحريك النفوس الصدئة، وشحذ الهمم المتوانية التي يصف بها أبناء عصره، في زمن كانت الفتنة هي القانون الحكم المسيطر على تلك الأذهان، والمؤثر على انفعالات الوجدان، وعواطف النفوس، فكان لذلك سبيله البياني، وصوته الفني، والموسيقي في الفخر، والمدح بقدرته الذي يجريه على لسان التوابع في رسالته.
ونسيج السجع عند ابن شهيد يأتي في تضاعيف الرسالة متباينًا في صياغاته ومتعددًا في ألوانه، وتراكيبه، فهو غالبًا ما يأتي بين فواصل الجمل القصيرة، والمتتابعة، أو المتباينة في الطول، وقد يقترب في أحيان كثيرة من الجناس حيث يقوم في بعض ألفاظه على حرفين، وقد يأتي متوازيًا في إيقاعه، مما يتحقق معه قوة إحساسنا بالتأثير الصوتي، والتناغم الموسيقي للمعنى في السياق، وقد تعلو نسبة التماثل بين موسيقى السجع وصياغات الجناس حيث تتوافق الحروف الثلاثة الأخيرة في الكلمة.
ومن بين تلك التباينات في سياق، وتركيب السجع تأتي مستويات أداءه البلاغي متفاوتًا فيما بين التراكيب والتعبيرات، كان السجع الحسن المقبول فيها
(1) يُنظر أسرار البلاغة، ص: 14. بتصرف.
(2) النثر الأدبي الأندلسي في القرن الخامس، مضامينه وأشكاله، ج2، ص: 693.