المبحث الخامس
سبب الخلاف في هذه المسألة
حصل الخلاف بين العلماء الشرعيين المتقدمين وكذا المتأخرين في الاعتماد على الحساب، وأما علماء الفلك فإنهم متفقون على الاعتماد على الحساب.
وسبب الخلاف بين العلماء الشرعيين يمكن أن أوجزه فيما يلي:
1 -اعتبار بعض الفقهاء أن الرؤية تعبدية، وأن الله سبحانه وتعالى ربط أحكامه بعلل وأسباب شرعية فإذا وجدت العلة الشرعية وجد حكم الله، وإذا انتفت انتفى حكم الله، ولا يملك أحد أن يغير هذه العلل ولا أن يبدلها.
يقول القرطبي -رحمه الله- (ت 656 هـ) "قوله صلى الله عليه وسلم إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب أي لم نكلف في معرفة مواقيت صومنا ولا عباداتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، وإنما ربطت عباداتنا بأعلام واضحة، وأمور ظاهرة يستوي في معرفة ذلك الحُسّاب وغيره" [1] .
والمخالفون يرون: أن الرؤية ليست عبادة في ذاتها ولكنه الوسيلة الممكنة الميسورة إذ ذاك، وذلك بسبب أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم والعرب بالحساب الفلكي.
ويستند هذا الدليل إلى أن الرؤية في الأحاديث الصحيحة هي عبارة عن تحصيل العلم بوجود الهلال المرئي دون أن يكون للرؤية البصرية أية خصوصية، أي أنها وسيلة وليست غاية فلذا لو حصّل الإنسان العلم بأية طريقة للزم عليها العمل طبق هذا العلم، ولذا قالوا: إن الرؤية معللة بالظروف القائمة زمن النبوة، وإن العلم بحصول الإهلال يكفي للحكم بدخول الشهر.
جاء في عمدة القاري"قال القشيري: إذا دل الحساب، على أن الهلال قد طلع في الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع كالغيم، فها يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي، وليس"
(1) المفهم 3/ 139.