... أقول: ويتأكد ذلك في هذا الباب الذي نحن بصدده وهو منهجهم في التعامل مع السنة تصحيحًا وتضعيفًا ومعرفة قواعدهم في ذلك وضوابطهم ، فإنهم كانوا أقرب إسنادًا وأخبر بالرواة وأحفظ للمتون .
... يقول ابن حبان رحمه الله في وصفهم: أمعنوا في الحفظ وأكثروا في الكتابة وأفرطوا في الرحلة وواظبوا على السنة والمذاكرة والتصنيف والدراسة حتى إن أحدهم لو سئل عن عدد الأحرف في السنة لكل سنة منها عدّها عدّا ، ولو زيد فيها ألِف أو واو لأخرجها طوعًا ولأظهرها ديانة ، ولولاهم لدرست الآثار واضمحلت الأخبار ، وعلا أهل الضلالة والهوى وارتفع أهل البدع والعمى )) [1] .
... فهذا في الحقيقة موجب للرجوع إلى علمهم والعناية بكلامهم والاستفادة من قواعدهم والتسليم لهم في نقدهم لشدة تدقيقهم وغلبة توفيقهم .
... يقول الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه (الموقظة) بعد كلام له على بعض رواة الحديث: (( وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث فإن أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود عاينوا الأصول وعرفوا عللها ، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد وفقدت العبارات المتيقنة ) ) [2] .
... ويقول الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح بعد كلام له حول تعليل القدماء لبعض الأحاديث: وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين وشدة فحصهم وقوة بحثهم وصحة نظرهم وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه )) [3] .
... وهذا كلام خبير عارف مارس كلام المتقدمين وعرف قدره ودقته ، ومن هذا كان لزامًا على محدثني عصرنا - من باب أولى - العناية بمنهج المتقدمين والتسليم لهم وترك التطاول عليهم كما نراه - مع الأسف - من بعض من سلك التصحيح والتضعيف للأحاديث .
(1) مقدمة كتاب المجروحين لابن حبان (1/58) .
(2) الموقظة للذهبي ، ص 45 .
(3) النكتب على ابن الصلاح (2/726) .