وأقتطف بعض ما ذكره سيد قطب رحمه الله تعالى عن هذه الآيات حيث يقول: (ولقد ينظر بعض الناس فيرى أممًا يقولون: إنهم مسلمون- مضيقًا عليهم في الرزق، لا يجدون إلا الجدب والمحق!.. ويرى أممًا لا يؤمنون ولا يتقون، مفتوحًا عليهم في الرزق والقوة والنفود. فيتساءل: وأين إذن هي السنة التي لا تتخلف؟ ولكن هذا وذلك وهم تخيله ظواهر الأحوال. إن أولئك الذين يقولون إنهم مسلمون لا مؤمنون ولا متقون. إنهم لا يخلصون عبوديتهم لله ولا يحققون في واقعهم شهادة أن لا إله إلا الله... ويوم كان أسلاف هؤلاء الذين يزعمون الإيمان مسلمين حقًا دانت لهم الدنيا وفاضت عليهم بركات من السماء والأرض وتحقق لهم وعد الله. فأما أولئك المفتوح عليهم في الرزق، فهذه هي السنة.. «ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا، وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء» ! فهو الابتلاء بالنعمة الذي مر ذكره. وهو أخطر من الابتلاء بالشدة، وفرق بينه وبين البركات التي يعدها الله من يؤمنون ويتقون. فالبركة قد تكون مع القليل إذا أحسن الانتفاع به، وكان معه الصلاح والأمن والرضى والارتياح.. وكم من أمة غنية قوية ولكنها تعيش في شقوة، مهددة في أمنها، مقطعة الأواصر بينها، يسود الناس فيها القلق وينتظرها الانحلال. فهي قوة بلا أمن، وهو متاع بلا رضى، وهي وفرة بلا صلاح، وهو حاضر زاهٍ يترقبه مستقبل نكد. وهو الابتلاء الذي يعقبه النكال..
إن البركات الحاصلة مع الإيمان والتقوى بركات في الأشياء، وبركات في النفوس، وبركات في المشاعر؛ وبركات في طيبات الحياة. بركات تنمي الحياة وترفعها في آن. وليست مجرد وفرة مع الشقوة والتردي والانحلال.