وقد أكد هذا المعنى الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره لقوله تعالى:"الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ"حيث قال:(فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقا، لا بشرك، ولا بمعاصي، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة. وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها.
ومفهوم الآية الكريمة، أن الذين لم يحصل لهم الأمران، لم يحصل لهم هداية، ولا أمن، بل حظهم الضلال والشقاء) (15) .
هذا ما يتعلق بالآية الأولى من الآيات الي ذكر فيها الأمن، مصدره وثمرته وقد أطلت الكلام فيها لأهميتها، ولأنها - كما ذكرت- ترسم الأصل القويم للأمن وتحدد معناه وتكشف لنا الحقيقة الكبرى التي مفادها أن الأمن والسلام، والطمأنينة والسعادة في الدنيا والآخرة لا يمكن الحصول عليها إلا في ظل الإسلام والإيمان، والبراءة من الشرك والكفر سواء على مستوى الفرد أو الجماعة أو الدول أو البشرية بأسرها، وأن الإعراض عن الله عز وجل وعبادته وعبادة غيره من الشركاء والأهواء إنما يعني ذلك الخوف والقلق والإرهاب والشقاء، في الدنيا كما هو الحاصل اليوم لمعظم البشرية، والعذاب والعناء والشقاء في الآخرة.
الآية الثانية: قوله تعالى:"وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" [النحل:112] .