فقال بعضهم: هذا فصلُ القضاء من الله بين إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم، وبين من حاجّه من قومه من أهل الشرك بالله، إذ قال لهم إبراهيم: «وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانًا فأيّ الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون» ؟ فقال الله تعالى ذكره، فاصلًا بينه وبينهم: الذين صدَّقوا الله وأخلصُوا له العبادة، ولم يخلطوا عبادتهم إياه وتصديقهم له بظلم يعني: بشرك ولم يشركوا في عبادته شيئًا، ثم جعلوا عبادتهم لله خالصة، أحق بالأمن من عقابه مكروه عبادته ربَّه، من الذين يشركون في عبادتهم إياه الأوثان والأصنامَ، فإنهم الخائفون من عقابه مكروه عبادتهم. أمَّا في عاجل الدنيا فإنهم وَجلُون من حلول سخط الله بهم، وأما في الآخرة، فإنهم الموقنون بأليم عذاب الله...
وقال آخرون: هذا جوابٌ من قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم لإبراهيم، حين قال لهم: «أيّ الفريقين أحق بالأمن؟ فقالوا له: الذين آمنوا بالله فوحّدوه أحق بالأمن، إذ لم يلبسوا إيمانهم بظلم.
"وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ"
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: «وتلك حجتنا» ، قول إبراهيم لمخاصميه من قومه المشركين: «أي الفريقين أحق بالأمن» ، أمن يعبد رباًّ واحدًا مخلصًا له الدين والعبادة، أم من يعبد أربابًا كثيرة؟ وإجابتهم إياه بقولهم: «بل من يعبد ربًّا واحدًا أحق بالأمن» ، وقضاؤهم له على أنفسهم، فكان في ذلك قطع عذرهم وانقطاع حجتهم، واستعلاء حجة إبراهيم عليهم. فهي الحجة التي أتاها الله إبراهيم على قومه) (8) م.هـ.