فأما العقوبات بغير ذلك مما لا يحل، فيحرم عليه فعله. مثال ذلك: ما حكي أن رجلًا من بني إسرائيل، وضع يده على فخذ امرأة، فوضعها في النار حتى شلت، وأن آخر حول رجله لينزل إلى امرأة، ففكر وقال: ماذا أردت أن أصنع؟ فلما أراد أن يعيد رجله، قال: هيهات رجل خرجت إلى معصية الله لا ترجع معي. فتركها حتى تقطعت بالمطر والرياح، وأن آخر نظر إلى امرأة فقلع عينيه، هذا كله محرم، وإنما كان جائزًا في شريعتهم. وقد سلك نحو ذلك خلق من أهل ملتنا، حملهم على ذلك الجهل بالعلم، كما حكي عن غزوان الزاهد: أنه نظر إلى امرأة، فلطم عينه حتى نفرت.
وروينا عن بعضهم: أنه أصابته جنابة وكان البرد شديدًا، وأنه وجد في نفسه توقفًا عن الغسل، فآلى أن لا يغتسل إلا في مرقعته، وأن لا ينزعها ولا يعصرها، فكانت شديدة الكثافة تزيد على عشرين رطلًا. وهذا من الجهل بالعلم، فإنه ليس للإنسان أن يتصرف في نفسه بمثل هذا. وقد ذكره كثيرًا من هذا الفن الصادر عن المتعبدين على الجهل في كتابي المسمى بـ [تلبيس إبليس] .
المجاهدة
وهو أنه إذا حاسب نفسه، فينبغي إذا رآها قد فارقت معصية أن يعاقبها كما سبق، فإن رآها تتوانى بحكم الكسل في شيء من الفضائل، أو ورد من الأوراد، فينبغي أن يؤدبها بتثقيل الأوراد عليها، كما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه فاتته صلاة جماعة، فأحيا الليل كله تلك الليلة. وإذا لم تطاوعه نفسه على الأوراد، فإنه يجاهدها ويكرهها ما استطاع.
وقال ابن المبارك: إن الصالحين كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوًا، وإن أنفسنا لا تواتينا إلا كرهًا. ومما يستعان به عليها أن يسمعها أخبار المجتهدين، وما ورد في فضلهم، ويصحب من يقدر عليه منهم، فيقتدي بأفعاله.
قال بعضهم: كنت إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى وجه محمد بن واسع وإلى اجتهاده، فعملت على ذلك أسبوعًا. وقد كان عامر بن عبد قيس يصلي كل يوم ألف ركعة.