فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 16

ومعنى المحاسبة أن ينظر في رأس المال، وفي الربح، وفي الخسران لتتبين له الزيادة من النقصان، فرأس المال في دينه الفرائض، وربحه النوافل والفضائل، وخسرانه المعاصي، وليحاسبها أولًا على الفرائض، وإن ارتكب معصية اشتغل بعقابها ومعاقبتها ليستوفى منها ما فرط.

قيل: كان توبة بن الصمة بالرقة، وكان محاسبًا لنفسه، فحسب يومًا فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرح وقال: يا ويلنا! ألقي الملك بأحد وعشرين ألف ذنب وخسمائة ذنب؟! كيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب، ثم خر مغشيًا عليه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلًا يقول: يا لها ركضة إلى الفردوس الأعلى! فهكذا ينبغي للعبد أن يحاسب نفسه على الأنفاس وعلى معصية القلب والجوارح في كل ساعة، فإن الإنسان لو رمى بكل معصية يفعلها حجرًا في داره لامتلأت داره في مدة يسيره، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي وهي مثبتة { أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ } [المجادلة: 6] .

معاقبة النفس على تقصيرها

اعلم أن العبد إذا حاسب نفسه فرأى منها تقصيرًا، أو فعلت شيئًا من المعاصي فلا ينبغي أن يهملها؛ فإنه يسهل عليه حينئذ مقارفة الذنوب، ويعسر عليه فطامها، بل ينبغي أن يعاقبها عقوبة مباحة كما يعاقب أهله وولده.

وكما روي عن عمر - رضي الله عنه -: أنه خرج إلى حائط له، ثم رجع وقد صلى الناس العصر. فقال: إنما خرجت إلى حائطي، ورجعت وقد صلى الناس العصر، حائطي صدقة على المساكين. قال الليث: إنما فاتته الجماعة، وروينا عنه أنه شغله أمر عن المغرب حتى طلع نجمان، فلما صلاها أعتق رقبتين.

وحكي أن تميم الداري - رضي الله عنه - نام ليلة لم يقم يتهجد فيها حتى أصبح، فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع.

ومرَّ حسان بن سنان بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه فقال: تسألين عما لا يعنيك! والله لأعاقبنك بصوم سنة، فصامها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت