أما العين فيحفظها عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، أو إلى مسلم بعين الاحتقار وعن كل فضول مستغنىً عنه، ويشغلها بما فيها تجارتها وربحها، وهو النظر إلى ما خلقت له من عجائب صنع الله تعالى بعين الاعتبار، والنظر إلى أعمال الخير في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ومطالعة كتب الحكم للاتعاظ والاستفادة.
وهكذا ينبغي أن يتقدم إلى كل عضو بالوصية بما يليق به، ولا سيما اللسان والبطن وقد ذكرنا آفات اللسان فيما تقدم، فيشغله بما خلق له، من الذكر والتذكير، وتكرار العلم والتعليم، وإرشاد عباد الله تعالى إلى طريق الله، وإصلاح ذات البين، إلى غير ذلك من الخير.
وأما البطن، فيكلفه ترك الشره، واجتناب الشبهات والشهوات، ويقتصر على قدر الضرورة، ويشترط على نفسه إن خالفت شيئًا من ذلك أن يعاقبها بالمنع من شهوات البطن، ليفوتها أكثر مما نالت بشهوتها، وهكذا في جميع الأعضاء واستقصاء ذلك يطول، وكذا ما تخفي طاعات الأعضاء ومعاصيها.
ثم يستأنف وصيتها في وظائف العبادات التي تتكرر في اليوم والليلة، في النوافل التي يقدر عليها، وعلى الاستكثار منها، وهذه شروط يفتقر إليها كل يوم إلى أن تتعود النفس ذلك، فيستغني عن المشارطة، ولكن لا يخلو كل يوم من حادثة لها حكم جديد لله تعالى عليه في ذلك حق، ويكثر هذا على من يشتغل بشيء من أعمال الدنيا، من ولاية أو تجارة أو نحو ذلك، إذ قل أن يخلو يوم عن واقعة جديدة يحتاج إلى أن يقضي حق الله فيها؛ فعليه أن يشرط على نفسه الاستقامة فيها، والانقياد للحق.
وعن شداد بن أوس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله» [1] !
(1) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وأحمد.