تجاوزت الدعوة في مكة - حين هاجر المسلمون للحبشة - مرحلة الدعوى السرية، فلقد جهر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بدعوته، وكُلّف الصدع بما أمر: (( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) ) (1) .
وكان من نتائج ذلك أن كثر الداخلون في الإسلام، وظهر الإيمان، وتحدث الناس به، ولا شك أن هذا يُقلق قريشًا، ويقض مضجعها، وستعمل جاهدة لإيقاف مده.
يقول الزهري في حديثه عن عروة في هجرة الحبشة قال: (( فلما كثر المسلمون، وظهر الإيمان، فتُحدث به، ثار المشركون من كفار قريش بمن آمن من قبائلهم يعذبونهم ويسجنونهم وأرادوا فتنتهم عن دينهم فلما بلغ ذلك رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم قال للذين آمنوا به: تفرقوا في الأرض، قالوا: فأين نذهب يا رسول الله؟ قال: ها هنا: وأشار إلى أرض الحبشة(2) .
ويقول موسى بن عقبة: (( ثم إن قريشًا ائتمرت رويتهم، واشتد مكرهم، وهموا بقتل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أو إخراجه حين رأوا أصحابه يزدادون ويكثرون.. ) ) (3) .
ولا شك أن قريشًا تخشى أثر هذا المد، وتأثيره على من لم يسلم بعد، ولم لا تخشَ أثر هذا المد، وقد بلغت آثاره بعض صناديدهم، ورقَّ لإسلام المسلمين، ومطاردتهم قساة القلوب منهم، وفي قصة عمر بن الخطاب مع المرأة التي كانت تستعد للهجرة ما يكشف عن أثر الإسلام وظهور الإيمان في تلك الفترة.
(1) الحجر: 94.
(2) المغازي النبوية: للزهري، تحقيق: سهيل زكار، ص:96، الطبقات الكبرى لابن سعد 1/203.
(3) البيهقي: دلائل النبوة 2/285.