ويستغرق المعشوق فؤاد من يعشقه فلا يبقى فيه مكان للبحث عن رضا مولاه، بل قد يصبح رضا الله مرتبة دون رضا معشوقه، كما قال هذا الشقي عن محبوبه -عافانا الله-:
رضاك أشهى إلي من ... رحمة الخالق الجليل
فحمدت الله تبارك وتعالى أن أنقذني بفضله قبل أن أخوض في هذا المستنقع الآسن.
رأيت كيف أن هؤلاء يختصرون الحياة كلها في هذا المعنى، وكيف أن سكرة العشق تغطي على عقل أحدهم وتفكيره فضلًا عن دينه، فتصبح الشهوة هي الآمر الناهي في حياته.
حين رأيت جدتي
ذهبت للسلام على جدتي وزيارتها فجلست أستمتع بحديثها عن ذكريات الماضي وأخباره، فطار خيالي إلى واد آخر، بدأت أعيد النظر في جسمها النحيل، وظهرها المتقوس، ووجهها المتجعد، وعدت بعدها إلى الماضي، إلى مرحلة الشباب.
لقد كانت فتاة تتقد حيوية وشبابًا، كانت يضرب بها المثل في الجمال وبهاء الطلعة ويخطب ودها الجميع، وكم كان سرور جدي حين أجيب مطلبه بخطبتها.
ثم مضت السنون وسارت الأيام، فآلت إلى هذه الحال، ولهذا كان غيرنا -من الأمم التي لاتدين بهذا الدين- يلفظونها حين تبلغ هذا المبلغ فلا تجد من يلتفت إليها ويعنى بها؛ ذلك أن الوفاء والبر والصلة كلمات معدومة في قاموسهم.
لقد قادني هذا الموقف إلى التفكير فيما أنا عليه، فكم سنة: عشر، عشرون، أكثر من ذلك..؟ وبعدها أودع مرحلة الشباب والحيوية إلى غير رجعة، ويبدأ العد التنازلي فأضع قدمي في أول طريق الهرم والشيخوخة، فما تعدو حينها مرحلة الشباب أن تكون مجرد ذكرى وطيف يمر بالخيال.
وتساءلت: ترى لو كانت حال جدتي كما هي حال بعض الفتيات الغافلات اليوم، فكيف تنظر إلى ماضيها الآن؟ إنها سوف تجتر الأسى والحزن على هذه الأيام التي ذهبت بلذاتها ورغباتها وشهواتها وبقي الألم، بقيت الذكرى السيئة، وبقي الشعور بالخوف من المستقبل، من اليوم الذي يجزى فيه المرء على الصغيرة والكبيرة.