يا أبي، هل كان - صلى الله عليه وسلم - يعنى في تربيته للشباب من أصحابه بالنماذج والقدوات الصالحة؟
نعم يابني، هاهو شاب من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو خباب بن الأرت رضي الله عنه- يبلغ به الأذى والشدة كل مبلغ فيأتي للنبي - صلى الله عليه وسلم - شاكيًا له ما أصابه -وكان عمره إذ ذاك لم يتجاوز العشرين يابني- يقول رضي الله عنه:أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة - وقد لقينا من المشركين شدة - فقلت:ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: «لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلا اللَّهَ» [1] .
إنها نماذج فذة ورائعة يا أبي، لكن هؤلاء كانوا في جيل قد سبق ومضى، فماذا عن شأن هذا الجيل؟ أيطيق أحد أن يصل إلى ما وصل إليه أولئك؟
حينما يتطلع المرء لمثل هذه النماذج فهذا لا يعني بالضرورة أن يرى في نفسه أنه قادر على أن يكون مثلهم أو أن يصل إلى منزلتهم، لكنه قد يضعهم نموذجًا أعلى له يسعى قدر الإمكان إلى الاقتراب من حالهم ولو لم يصر مثلهم، وأنا لاأطالبك أن تكون مثلهم، إنما أن تقتدي بهم وتتأسى بجوانب الخير لديهم.
وأمر آخر يابني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد وعد أولئك الذي يقبضون على دينهم زمن المحنة والشدة فقال: «يأتي على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر» ، فحين يكون الشاب في عصر يرى فيه مايرى من الفتن والصوارف ثم يستقيم على طاعة الله، فإنه يستحق بإذن الله هذا الوصف والثناء.
(1) رواه البخاري (3852)