الصفحة 8 من 135

إذا استبنتَ هذا التفريقَ بين حالي إخراج المشركين من جزيرة العرب، ما يكون جهاد دفعٍ كما هو اليوم، وما يكون جهاد طلبٍ كما كان زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ظهر لك بإذن الله السبب في تأخير عمر وأبي بكرٍ إخراجَهم من الجزيرة العربية، وكون ذلك مشروعًا لهما جائزًا، لأن جهاد الطلب يجوز تأخيره للمصلحة والحاجة مع التزامه والعزم عليه، وعدم جوازه لمن وجدهم وقد دخلوا ابتداءً لدخوله في جهاد الدفع، وجهاد الدفع لا يجوز تأخيره بحالٍ من الأحوال.

فجهاد الطلب لا يجب على الفور كما يجب جهاد الدفع، بل يجوز تأخيره لمصلحة أو خوفِ مفسدةٍ يُرجى أن تزول قريبًا، كما يجوز تأخيره لانشغال عسكر المسلمين بفتوحٍ، أو لانشغال إمام المسلمين بأمرٍ نزل به، أو نازلةٍ حلَّت بالمسلمين دون تعطيلٍ له، ويجوز تأخيره لمصلحةٍ للمسلمين في بقاء ذلك العدوِّ سواء كان بهدنةٍ أو بغيرِها مع التزام قتاله وعدم استدامةِ الهدنةِ.

وأبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه كان فترةَ خلافتِهِ مشغولًا بقتال المرتدِّين والروم، ولم يلبث بعد استقرار الأمر حتى قبضه الله، أما عمر فلما جاءه الثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب أجلى اليهود من خيبرَ في القصة المعروفة.

فلا يحتج أحد بترك الصديق لليهود في خيبر، ولا بترك الفاروق لهم أو لغيرهم في غيرها، إلا حيثُ كانت الحال واحدة بأن كانوا مستوطني الأرض يسكنون الديار من أول الأمر، بخلاف من وَرَد عليها بعد النهي، وكان دخولُهُ انتهاكًا لأرض الجزيرة واعتداءً عليها.

وإذا استبان هذا الأصل من التفريق بين الموجودين قبل النهي، ومن دخلوا بعد النهي؛ زالت الشبهة في احتجاج من احتج ببقاء بعض المشركين في الجزيرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

وإخراج الصليبيين من جزيرة العرب اليوم، اجتمعت فيه عدة مُوجبات، فمع خصوصية الجزيرة بوجوب إخراج المشركين منها، اجتمعت الموجبات العامة لجهاد الدفع، فدخول المشركين بقوة لهم وشوكة موجب للجهاد في كل بلد، وأفرادهم إذا دخلوا ولو بلا قوة وشوكة بلا إذن من المسلمين في أي بلدٍ غير الجزيرة مباحةٌ دماؤهم، أما الجزيرة فيجب قتالهم فيها حتى يخرجوا ولو كان دخولهم بإذن من حاكم مسلمٍ فضلًا عن الكافر العميل، وتخلية أجزاء من أرض المسلمين لهم يُقيمون فيها شعائر كفرهم موجب لقتالهم وإخراجهم، وقتالهم للمسلمين من هذه الأرض واتخاذهم لها قواعد عسكرية موجب لجهادهم، وكل من هذه يغلظ ويشتد إذا كان في جزيرة العرب [4] .

[4] [فقه الجهاد - الشيخ عبد الله بن ناصر الرشيد - مجلة صوت الجهاد - العددان السابع والثامن]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت