ثم نقل عن القرطبي قولة: معنى الحديث أن الصلاة حينئذ تكون أفضل من الصدقة لكثرة المال إذ ذاك وعدم الانتفاع به حتى لا يقبله أحد )) (5) [1] أي لا تكون هناك قربات في النفقات والصدقات يمكن أن يتقرب بها الإنسان فيكون السجود لله سبحانه وتعالى هو العبادة العظيمة التي لا تزاحمها عبادة، إذ ليس هناك مجال آخر كمجال الإنفاق الذي يحوز به العبد رضى الله سبحانه وتعالى ويدفع به غضبة كما ورد في الحديث (أن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء) (*) [2] ، فلما انقطع لم يبقى إلا السجود، وهذا مؤذن أيضًا بان السجود في حقيقته عظيم، وأنه من أعظم القربات لله سبحانه وتعالى، لكنة قد يشغل عنة المسلم بأمور من أهمها _ كما يستنبط من هذا الحديث _ عدم ذكر الآخرة بسبب التعلق بالدنيا، وكذلك مزاحمة الأعمال الأخرى وإن كانت من الخيرات إذ لو لم يكن للمسلم قدرة على العبادات الأخرى كالصدقة وإعانة المحتاج لكن حظ العبادة والسجود أكبر بحيث يتناسب مع أهميته وأوليته في العبادات الفاضلة.
ولذلك جاء تعليق الشيخ عبد الرحمن الدوسي رحمه الله عليه على قوله سبحانه وتعالى: (( وإذ قالت الملائكة يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) ) (7) [3] موضحًا لعظمة السجود.
قال: (( وعلى القول بأن معنى القنوت الطاعة، فتكون الملائكة قد أوصوا مريم أولًا بوصية عامة، وهي مداومة الطاعة بجميع أنواعها، ثم أمروها بأفضل أنواع العبادة وأشرفها، وهي الصلاة، وخصوا من هيئتها الركوع والسجود لشرفها وعظيم أهميتها، وقدموا السجود على
(1) فتح الباري 6/ 566.
(2) (*) سنن الترمذي 3/ 52، كتاب الزكاة باب ما جاء في فضل الصدقة، حديث رقم (664) .
(7) آل عمران: 43.
(3) (*) صفوة الآثار 4/ 124.