والسبب في تلك المواقف يرجع إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر أن هؤلاء لم يدخلوا في سلطته باعتراف قريش وبنص الاتفاق الذي وفّى به النبي صلى الله عليه وسلم، فليس له عليهم من سبيل من حيث سلطة الدولة وليسوا محسوبين عليه أيضًا فلا يتحمل ما يصدر منهم ولم يكن بحاجة إلى أن يحمل نفسه تبعات ذلك.
ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يكن كذلك كارهًا لفعلهم وليس هذا بنقضٍ للاتفاق فإن قريشًا تعلم أنه عدو لهم وهو يعلم أنهم عدو له وما كان الاتفاق والعهد ليرفع العداوة أبدًا ولا ليمنع أن يتمنى كل طرف هلكة الآخر ويفرح بما يصيبه.
وهذا الوضوح في العهود حتى كان عند العرب أنفسهم بمعنى أن يفي كل طرف بنص الاتفاق ولكنه لا يُكلف فوق ذلك مما لا يشمله الاتفاق.
ومن عجب أننا حتى في العهود لم نفقه حسن التعامل فيها حتى جعلنا من عاهدنا من الكفار على فرض سلامة تلك العهود من كل وجه له من الحقوق أعظم من إخوتنا في الدين والتزمنا له بالحب وألا يصدر منا ولا كراهية القلب والتزمنا له بمحاربة أعدائه وإن كانوا لا يدخلون تحت سلطتنا ولا يتناوله الاتفاق أصلًا.
وإذا اتضح موقف النبي صلى الله عليه وسلم من أبي بصير فلمَ لا يسعنا ما وسعه؟!.
لمَ نكلف أنفسنا ما لا يلزمنا لا شرعًا ولا عقلًا؟!
لمَ نتحامل على أمثال أبي بصير رضي الله عنه؟!
لمَ نلمزهم ونعتبرهم متعجلين وجهالًا ... ؟!.
لمَ لا نفرح ونسرّ ببقائهم فقد يدفع الله بهم ما لا نعلمه من الشر؟!.
لمَ نسئ الظن بربنا جل وعلى حتى يخيّل إلينا أن معالم الدين ستندرس بسبب ما يقوم به مجاهدون قد تحروا الصواب فيما أقدموا عليه؟!.