وقد قال رسول الله /: «من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي رُدِّي, فهو يُنزَع بذنبه [1] » [2] .
قال الخطابي:"معناه أنه قد وقع في الإثم وهلك كالبعير إذا تردى في بئر فصار يُنزَع بذنبه ولا يقدر على الخلاص" [3] .
وقال الإمام الغزالي:"التعصب سبب يرسخ العقائد في النفوس, وهو من آفات علماء السوء, فإنهم يبالغون في التعصب للحق وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار, فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة, وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل, ويقوى غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه, ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة لا في معرض التعصب والتحقير لأنجحوا فيه, ولكن لما كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع ولا يستميل الأتباعَ مثلُ التعصب واللعن والشتم للخصوم, اتخذوا التعصب عادتَهم وآلتهم وسمَّوه ذبا عن الدين ونضالا عن المسلمين, وفيه على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس" [4] .
ويقول الغزالي أيضا:"ترى المبتدع العامي يمكن أن يزول اعتقاده باللطف في أسرع زمان إلا إذا كان نشؤه في بلد يظهر فيها الجدل والتعصب, فإنه لو اجتمع عليه الأولون والآخرون لم يقدروا على نزع البدعة من صدره, بل الهوى والتعصب وبغض خصوم المجادلين وفرقة المخالفين يستولي على قلبه ويمنعه من إدراك الحق [5] , حتى لو قيل له: هل تريد أن يكشف الله تعالى لك الغطاء ويعرفك بالعيان أن الحق مع خصمك لكره ذلك خيفةً من أن يفرح به خصمه, وهذا هو الداء العضال الذي استطار في البلاد والعباد, وهو نوع فساد أثاره المجادلون بالتعصب" [6] .
وقال ابن الوزير:"ومن أعجب العجائب: دعوى المقلدين للمعارف, ودعوى المتعصبين للإنصاف, وأمارة ذلك أنك تجد العوالم الكثيرة في لطائف المعارف المختلَفِ فيها على رأي رجل واحد من القدماء في الأمصار العديدة والأعصار المديدة, فلو كانوا في ترك التقليد كالأوائل لاشتد اختلافهم في الدقائق ولم يتفقوا على كثرتهم وطول أزمانهم وتباعد بلدانهم واختلاف فطنهم, كما قضت بذلك العوائد العقلية الدائمة, ولو كان الجامع لفرقتهم مع كثرتهم هو الوقوف على الحقائق في تلك الدقائق لكانوا أكثر من مشايخهم الأقدمين علما وتحقيقا وإنصافا وتجويدا, لكن المعلوم خلاف ذلك, فإياك أن تسلك هذه المسالك, فإن"
(1) أي: يجر من ورائه. عون المعبود 14/ 18
(2) رواه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود, وصححه الألباني.
(3) عون المعبود لمحمد شمس الحق العظيم آبادي 14/ 18
(4) إحياء علوم الدين 1/ 40 - 41
(5) قال الذهبي: فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم، لا يكاد يشاهد فيه إلا غاليا في الحب، مفرطا في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال. سير أعلام النبلاء 3/ 128
(6) إحياء علوم الدين 1/ 97