من أسباب الشقاق، وتجعل المرء إن كان مخطئا يتراجع عن خطئه، وإن كان مصيبا لا يتحدى بما عنده أو يطلب به إذلال معارضيه, وقد نظرت إلى أئمتنا الأوائل فرأيت نماذج للخصومة العلمية الشريفة، فلا إعجاب بالرأي ولا إدلال على المعارض ولا تتبع للسقطات, وإنما تقريرٌ لوجهة النظر يخدم الحق بالدليل مع نشدان لوجه الله ونفع الأمة" [1] ."
قال محمد الحجوي:"قال ابن خلكان في ترجمة الثوري: «يقال: كان عمر في زمانه رأسَ الناس, وبعده عبد الله بن عباس في زمانه, وبعده الشعبي, وبعده سفيان الثوري» ."
ومع هذا كله فقد كان - يعني الفاروق عمر - أكثر الناس إنصافا لمن هو دونه, وأكثر المفتين والأمراء انقيادا للحق على أي لسان ظهر, لا يستنكف من إظهار الإنصاف واعتراف بالقصور, وهو في الحقيقة كمالٌ وفضل وانصياع للحق" [2] ."
ومن حميد ما جاء في سيرة إمام الحرمين أبي المعالي الجويني:"أنه ما كان يستصغر أحدا حتى يسمع كلامه شاديا كان أو متناهيا, فإن أصاب كِياسة في طبع أو جريا على منهاج الحقيقة استفاد منه صغيرا كان أو كبيرا, ولا يستنكف أن يعزي الفائدة المستفادة إلى قائلها ويقول: إن هذه الفائدة مما استفدته من فلان, ولا يحابي أيضا في التزييف إذا لم يرض كلاما"
(1) الحق المر
(2) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي 1/ 297 - 298