فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 142

فإذا كان كذلك فكيف يبنى عليها شرع . قال الشاطبي المغربي المالكي: وأضعف هؤلاء احتجاجًا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات ، وأقبلوا وأعرضوا بسببها، فيقولون: رأينا فلانًا الرجل الصالح ، فقال لنا: اتركوا كذا واعملوا كذا . ويتفق مثل هذا كثيرًا للمترسمين برسم التصوف ، وربما قال بعضهم: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي كذا وأمرني بكذا ، فيعمل بها ويترك بها ، معرضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة . وهو خطأ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال ، إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية ، فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها ، وإنما فائدتها البشارة والنذارة خاصة ، وأما استفادة الأحكام فلا - ثم قال - فلو رأى في النوم قائلًا يقول: إن فلانًا سرق فاقطعه ، أو عالم فاسأله ، أو اعمل بما يقول لك ، أو فلان زنى فحده ... وما أشبه ذلك ، لم يصح له العمل حتى يقوم له الشاهد في اليقظة ، وإلا كان عاملًا بغير شريعة إذ ليس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحي . ولا يقال: إن الرؤيا من أجزاء النبوة فلا ينبغي أن تهمل ، وأيضًا إن المخبر في المنام قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم وهو قد قال:"من رآني في النوم فقد رآني حقًا ، فإن الشيطان لا يتمثل بي"وإذا كان ... فإخباره له في النوم كإخباره في اليقظة . لأنا نقول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة فليست إلينا من كمال الوحي ، بل جزء من أجزائه ، والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه ، بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه ، وقد صرفت إلى جهة البشارة والنذارة ، وفيها كاف . وأيضًا فإن الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة من شرطها أن تكون صالحة من الرجل الصالح ، وحصول الشروط مما ينظر فيه ، فقد تتوفر وقد لا تتوفر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت