يكون كثيرًا في التزاويق. فإن المزوقين يشبهون ما يزوقونه من الصور والتزاويق بأمثالها من الأجسام المشاهدة، وقد يتأتون لتشبيه الحيوانات والأشخاص المعينة والنبات والآلات وسائر المبصرات المجسمة وسائر المعاني التي فيها بالصور المسطحة وفطنوا لمواضع التشبيه فهم يتلطفون في ذلك بالأصباغ والنقوش، فإذا صوروا صور الحيوانات ذوات الشعر والجشر والنبات ذوات الزغب والأوراق الخشنة السطوح والجمادات الخشنة الظاهرة الخشونة فهم يشبهونها بالنقوش والتخاطيط واختلاف الأصباغ بما يظهر من خشونة سطوح تلك الحيوانات وذلك النبات وتلك الجمادات، وتكون الصور التي يعملونها مع ذلك مسطحة ملسًا وصقيلة أيضًا. وكذلك يصورون أشخاص الناس ويشبهون تخاطيط وجوههم وأجسامهم وما فيها من الشعر والمسام والغضون وتكاسير ملابسهم بما يظهر للحس من صور أشخاص الناس وخشونة ما يظهر من أبشارهم بالشعر والمسام وتكاسير لباسهم. والبصر يدرك الصور المصورة شبيهة بصورها التي هي شبيهة بها كان مزوقها حذاقًا بصناعة التزاويق. فإذا أدرك البصر صورة مصورة على حائط أو على خشب أو على قرطاس، وكانت تلك الصورة من صور الحيوانات ذوات الشعر والجشر، فإن البصر يدرك الشعر منها كأنه شعر والجشر منها كأنه جشر. وكذلك إذا أدرك البصر صور النبات الخشنة الأوراق فإنه يدركها كأنها خشنة، وكذلك يدرك صور الجمادات الظاهرة الخشونة، وكذلك يدرك صور أشخاص الناس المصورة كأنها صور مجسمة، وكان ما فيها من صور الشعر المتفرق شعر وما فيها من الغضون كأنه غضون وما في تكاسير اللباس التي على الصور المصورة كأنها تكاسير الثياب التي يلبسها الناس مع ملاسة سطوح تلك الصور وصقالها.
وإذا أدرك البصر الصورة الملساء خشنة فهو غالط في خشونتها، وهذا الغلط هو غلط في القياس لأن الخشونة إنما تدرك بالقياس. وهذا الغلط قد يكون لعلة من العلل التي من اجلها يعرض للبصر الغلط. فمنها ما تكون علته هو بعد الصورة عن البصر، وذلك أن الصورة المصورة التي بهذه الصفة ليس يتحقق البصر ملاستها إلا بالتأمل، وليس يتمكن البصر من تأملها إلا إذا كانت قريبة من البصر شديدة القرب منه، لأنه ليس يظهر تطامن سطح المبصر وملاسته بالتأمل إلا من تأمل أجزاءه التي في غاية الصغر، والأجزاء التي في غاية الصغر ليس يدركها البصر إلا من القرب الشديد. وإذا كانت الصورة على بعد ليس يدرك منه البصر وضع الأجزاء التي في غاية الصغر التي يظنها من ذلك البعد أنها شاخصة ومختلفة الوضع، ولا يدرك استواء وضع جميع أجزاء السطح، فليس يدرك ملاسة سطح تلك الصورة.
وأيضًا فإن الخشونة التي تظهر للبصر في سطوح الصور المصورة قد تظهر من بعد ليس في غاية القرب، وليس يدرك البصر ملاسة سطوح الصور المصورة الشبيهة بالمبصرات الخشنة السطوح من صورة الضوء الذي يظهر في سطوحها التي يعرفها البصر في سطوح المبصرات الملس إذا لم يتقدم العلم بملاسة سطوح تلك الصور، لأن صور سطوح هذه الصور المصورة التي تظهر للبصر خشنة هي أشبه بصور السطوح الخشنة من صورة الضوء التي فيها بصور الأضواء التي في السطوح الملس لما قد تلطف في المزوقون من شدة تشبيهها بالسطوح الخشنة. فليس يدرك البصر ملاسة ما هذه صفته من الصور المصورة إلا بالتأمل المحقق. وليس يتمكن البصر من تأمل سطوح هذه الصور ويتحقق ملاستها إلا بالقرب الشديد. فإذا أدرك البصر صورة من هذه الصور من بعد مقتدر ليس في غاية القرب من البصر فهو يدركها خشنة السطح ولا يدرك ملاستها في الحال. والبعد المعتدل الذي منه يدرك البصر ملاسة الصور التي بهذه الصفة هو البعد اليسير الذي يظهر منه للبصر بالتأمل حقيقة ملاستها.