فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 443

فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ إبراهيم: 22 ] ، وقال تعالى: { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [ الأنفال: 48 ] .

وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( أنه رأى جبريل يزع الملائكة ) والشياطين إذا رأت ملائكة الله التي يؤيد بها عباده هربت منهم، والله يؤيد عباده المؤمنين بملائكته . قال تعالى: { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ } [ الأنفال: 12 ] ، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا } [ الأحزاب: 9 ] ، وقال تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ

اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا [ التوبة: 40 ] ، وقال تعالى: { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِين بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ } [ آل عمران: 124، 125 ] .

وهؤلاء تأتيهم أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم، وهي جن وشياطين فيظنونها ملائكة، كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام، وكان من أول ما ظهر من هؤلاء في الإسلام: المختار بن أبي عبيد الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( سيكون في ثقيف كذاب ومُبير ) وكان الكذاب: المختار بن أبي عبيد، والمبير: الحجاج بن يوسف . فقيل لابن عمر وابن عباس: إن المختار يزعم أنه ينزل إليه، فقالا: صدق، قال الله تعالى: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } [ الشعراء: 221، 222 ] . وقال الآخر: وقيل له: إن /المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: قال الله تعالى: { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } [ الأنعام: 121 ] .

وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح الذي يزعم صاحب [ الفتوحات ] أنه ألقى إليه ذلك الكتاب، ولهذا يذكر أنواعًا من الخلوات بطعام معين وشيء معين، وهذه مما تفتح لصاحبها اتصالا بالجن والشياطين، فيظنون ذلك من كرامات الأولياء، وإنما هو من الأحوال الشيطانية، وأعرف من هؤلاء عددًا، ومنهم من كان يحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السرقات بجُعْل يحصل له من الناس، أو بعطاء يعطونه إذا دلهم على سرقاتهم ونحو ذلك .

ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا مناقضين للرسل ـ صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ـ كما يوجد في كلام صاحب [ الفتوحات المكية ] و [ الفصوص ] وأشباه ذلك يمدح الكفار، مثل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم، ويتنقص الأنبياء: كنوح وإبراهيم وموسى وهارون، ويذم شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين: كالجنيد بن محمد، وسهل بن عبدالله التستري، ويمدح المذمومين عند المسلمين: كالحلاج ونحوه كما ذكره في تجلياته الخيالية الشيطانية، فإن الجنيد ـ قدس الله روحه ـ كان من أئمة الهدى، فسئل عن التوحيد /فقال: [ التوحيد ] إفراد الحدوث عن القدم . فبين أن التوحيد أن تميز بين القديم والمحدث، وبين الخالق والمخلوق . وصاحب [ الفصوص ] أنكر هذا، وقال في مخاطبته الخيالية الشيطانية له: يا جنيد، هل يميز بين المحدث والقديم إلا من يكون غيرهما ؟ فخطأ الجنيد في قوله: [ إفراد الحدوث عن القدم ] ، لأن قوله هو: إن وجود المحدث هو عين وجود القديم، كما قال في فصوصه: [ ومن أسمائه الحسنى [ العلي ] على من ؟ وما ثم إلا هو، وعن ماذا ؟ وما هو إلا هو، فعلوه لنفسه وهو عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العلية لذاته وليست إلا هو ] إلى أن قال:

[ هو عين ما بطن وهو عين ما ظهر، وما ثم من يراه غيره، وما ثم من ينطق عنه سواه، وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من الأسماء المحدثات ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت