وقد أخبر أن الملائكة جاءت لإبراهيم عليه السلام في صورة البشر، وأن الملك تمثل لمريم بشرًا سويًا، وكان جبريل ـ عليه السلام ـ يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، وفي صورة أعرابي، ويراهم الناس كذلك .
وقد وصف الله تعالى جبريل ـ عليه السلام ـ بأنه ذو قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رآه بالأفق المبين، ووصفه بأنه { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُنَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } [ النجم: 5-18 ] .
/وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه لم ير جبريل في صورته التي خلق عليها غير مرتين ) يعني المرة الأولى بالأفق الأعلى، والنزلة الأخرى عند سدرة المنتهى، ووصف جبريل ـ عليه السلام ـ في موضع آخر بأنه الروح الأمين، وأنه روح القدس، إلى غير ذلك من الصفات التي تبين أنه من أعظم مخلوقات الله تعالى الأحياء العقلاء، وأنه جوهر قائم بنفسه، ليس خيالا في نفس النبي كما زعم هؤلاء الملاحدة المتفلسفة، والمدعون ولاية الله، وأنهم أعلم من الأنبياء .
وغاية حقيقة هؤلاء إنكار [ أصول الإيمان ] بأن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وحقيقة أمرهم جحد الخالق، فإنهم جعلوا وجود المخلوق هو وجود الخالق، وقالوا: الوجود واحد، ولم يميزوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع، فإن الموجودات تشترك في مسمى الوجود، كما تشترك الأناسي في مسمى الإنسان، والحيوانات في مسمى الحيوان، ولكن هذا المشترك الكلي لا يكون مشتركًا كليًا إلا في الذهن، وإلا فالحيوانية القائمة بهذا الإنسان ليست هي الحيوانية القائمة بالفَرَس، ووجود السموات ليس هو بعينه وجود الإنسان، فوجود الخالق جل جلاله ليس هو كوجود مخلوقاته .
وحقيقة قولهم قول فرعون الذي عطل الصانع، فإنه لم يكن/ منكرًا هذا الوجود المشهود، لكن زعم أنه موجود بنفسه، لا صانع له، وهؤلاء وافقوه في ذلك، لكن زعموا بأنه هو الله، فكانوا أضل منه وإن كان قوله هذا هو أظهر فسادًا منهم، و لهذا جعلوا عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، وقالوا: ( لما كان فرعون في منصب التحكم صاحب السيف وإن جار في العرف الناموسي، كذلك قال: أنا ربكم الأعلى ـ أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما، فأنا الأعلى منكم بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم ) .
قالوا: ( ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله أقروا له بذلك وقالوا: { فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } [ طه: 72 ] ، قالوا: فصح قول فرعون: { أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } [ النازعات: 24 ] وكان فرعون عين الحق ) ثم أنكروا حقيقة اليوم الآخر، فجعلوا أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة، فصاروا كافرين بالله واليوم الآخر وبملائكته وكتبه ورسله مع دعواهم أنهم خلاصة خاصة الخاصة من أهل ولاية الله، وأنهم أفضل من الأنبياء، وأن الأنبياء إنما يعرفون الله من مشكاتهم .
وليس هذا موضع بسط إلحاد هؤلاء؛ ولكن لما كان الكلام في [ أولياء الله ] والفرق بين [ أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ] وكان هؤلاء من أعظم الناس ادعاءً لولاية الله، وهم من أعظم الناس ولاية للشيطان، نبهنا على ذلك . ولهذا عامة كلامهم إنما هو في الحالات /الشيطانية، ويقولون ما قاله صاحب الفتوحات: [ باب أرض الحقيقة ] ويقولون: هي أرض الخيال . فتعرف بأن الحقيقة التي يتكلم فيها هي خيال، ومحل تصرف الشيطان، فإن الشيطان يخيل للإنسان الأمور بخلاف ما هي عليه، قال تعالى: { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } [ الزخرف: 36: 39 ] ، وقال تعالى: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا } إلى قوله: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا } [ النساء: 116: 120 ] ، وقال تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ