الفراغ في اللغة كما يقول ابن منظور: الخلاء (1) ، وعليه يكون وقت الفراغ هو الوقت الذي يكون صاحبه خاليا من المشاغل فيملؤه بما يريد . أي هو الوقت الذي يكون الفرد فيه حرا من ارتباطات العمل أو أية التزامات أخرى بحيث يمكن الاستفادة من هذا الوقت في الراحة أو الاسترخاء أو في ممارسة أنواع من النشاط تعود عليه بتطوير ذاته وتربية نفسه
ويعرف باعتبار وظيفته للفرد بأنه مجموعة الوظائف أو الأنشطة التي ينغمس فيها الفرد بمحض إرادته وذلك بحثا عن الراحة والمتعة أو لغرض تنمية ثقافته ومعلوماته أو لتحسين مهارته أو للإسهام في تقديم خدمات تطوعية للمجتمع الذي يحيط به وذلك بعد تركه لعمله الأساسي سواء العائلي أو الاجتماعي (2)
وقد أولت التربية الإسلامية عناية بالغة بالأوقات عامة وبوقت الفراغ خاصة لما لها من أثر عظيم في حياة الفرد والمجتمع . قال تعالى: { وجعلنا الليل والنهار آية فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا } [ الإسراء: 12 ] .
وقال صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ .
[ البخاري: 4/175 ]
والحديث يبين مدى خسارة من يفرط في استغلال نعمتي الصحة والفراغ . وإذا كان الوقت هو رأس مال المسلم الذي يتاجر فيه بالطاعات واكتساب الحسنات ، فإن الفراغ هو مكسب إضافي يتزود فيه لنيل أعلى الدرجات وتحصيل المنافع الجمة ، ومع ذلك نجد الكثير والكثير من أوقات الفراغ في حياة الأمة تضيع هباء وتذهب سدى ، ولو افترضنا على سبيل المثال أن مسلما قضى ساعة واحدة فقط لمشاهدة فيلم هابط أو مسرحية داعرة فهذا يعني بلا مراء أن ملايين الساعات بل بلايينها من وقت الأمة قد صرف في غير ما فائدة ، وليضع المتدبر الواعي في باله الساعات التي تضاع وتهدر في أمور أخرى مثل التسكع في الأسواق والجلوس في المقاهي والطرقات أو في المسامرات والسهرات بلا رقيب ولا وازع من سلطان أو قرآن .
ولا يستغرب بعد هذا أن نسمع ونقرأ تقارير الخبراء والمختصين عن قلة النتاج القومي أو نقص الموارد البشرية أو عن الإهدار الكمي والكيفي للطاقات والمواهب والقدرات وكذلك العجز المزمن في ميزانيات الدول والشعوب المسلمة . ولبيان خطورة هذه القضية يكفي أن يشير الباحث إلى ما ذكر في الفصل الثاني حول الأسئلة التي يسأل عنها يوم القيامة كل فرد ومنها عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه ، وهذا غير الخسائر المادية والصحية والاجتماعية التي تصيب الفرد والمجتمع في الدنيا من جراء ذلك .
إذا علم ما سبق فبضدها تتميز الأشياء . وكما أن في إضاعة الوقت خسائر فادحة فإن في استغلاله مكاسب عظيمة . ومن أراد تربية نفسه فليحرص على اتباع هذا الأسلوب بألا يدع وقتا من أوقاته إلا شغله ولا فراغا إلا ملأه لأن النفس إذا لم تشغلها بطاعة شغلتك بمعصية . وللفراغ الذي ينبغي أن يشغل عدة أضرب:
1ـ فراغ عقلي ويقصد به خلو الذهن من الآراء والمعتقدات والأفكار السليمة التي تسير المرء في حياته .
2ـ فراغ قلبي وهو خلو القلب من الإيمانيات التي تصل الإنسان بالملأ الأعلى ولها تأثير مباشر على تصرفاته وسلوكه .
3ـ فراغ حسي ويشمل الدقائق والساعات التي يقضيها الفرد بعد أداء نشاطاته الأساسية وهو الذي يدعى بوقت الفراغ .
والمسلم الحق لا يشعر عادة بالفراغ العقلي أو بالفراغ الروحي لأن اعتناقه بالعقيدة الإسلامية قولا وعملا يشغل حيزا كبيرا من هذين الضربين من الفراغ . أما الفراغ الحسي فمن المفترض أن يقضيه المسلم في أمر نافع لاكتساب الخبرات والمعارف التي يبني عليها السلوكيات الموافقة لمعتقداته والتصرفات المنبثقة عن مكونات سرائره ، بالإضافة إلى إبراز دوره في الأنشطة الاجتماعية المختلفة . ولو أحسن الفرد استغلال وقت الفراغ وملأه بما يفيد حسيا ومعنويا لأسهم ذلك مساهمة كبيرة جدا في تربية ذاته وتحقيق دوره في الحياة .
وسائل ملء الفراغ
أبرزت التربية الحديثة وسائل عدة لملء الفراغ وشغله ولكن الحقيقة أنها ليست كلها موافقة لأسس التربية الإسلامية ، بل إن بعضها مما يضادها ويناقضها ، ومن كان حريصا على تربية ذاته يسعى لملء أوقاته بما يفيد حتى لا يصاب بالحسرة والندامة . ورد عن معاذ - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها . [ رواه الطبراني في الكبير ، نقلا عن الألباني في صحيح الجامع برقم 5322 ] .
ويمكن تقسيم وسائل ملء الفراغ للتربية الذاتية إلى نوعين هما:
1ـ وسائل مفيدة 2ـ وسائل ضارة
وسيورد الباحث أمثلة لهذين النوعين من الوسائل مبينا أثرها في التربية الذاتية .
1ـ الوسائل المفيدة:
إن الذات المسلمة في حاجة ماسة لما يزيدها اتصالا بالله ومعرفة بأحكامه وشرائعه . ولذا فهي تستخدم الوسائل المناسبة لتغطية هذا الجانب . ولا بأس من شغل الفراغ بالولوج في باب المباحات بقدر مناسب حتى لا يطغى هذا الجانب على المفروضات . ومن الوسائل المفيدة لملء الفراغ:
أ ـ القراءة ب ـ المحاضرات والندوات جـ ـ اللهو المباح .
أ ـ القراءة:
ما من شك في أن الكلمة المقروءة ستظل حتى قيام الساعة مصدرا أصيلا من مصادر تحصيل العلم والمعرفة لدى الفرد المسلم . ذلك أنه ورد في الكتاب العزيز قوله تعالى: { اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم } [ العلق: 1 - 5 ]