فهرس الكتاب

الصفحة 744 من 1037

فمن المهم أن يبدأ المسلم العمل ولكن الأهم أن يستمر عليه ويداوم عليه . قال تعالى: { فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم } [ الزخرف: 43 ] وقال أيضا: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [ الأحقاف: 13 ] .

إن الاستقامة على الطريق ضمان للوصول إلى نهايته وإن التعود على الأعمال الصالحة والاستمرار عليها تثبيت للنفس الإنسانية لمواجهة أعباء الطريق وتكاليفه وصرف لمكايد الشيطان ونوازغه . ومن هنا تظهر أهمية هذا الأسلوب في التربية الذاتية لذا كان صلى الله عليه وسلم يحث صحابته على ملازمة هذا الأسلوب ، فها هو يقول لعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل .

[ النسائي: 3/253 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 7822 ]

ويقول أيضا: أديموا الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد . [ رواه الطبراني في الأوسط نقلا عن الألباني في الصحيحة برقم 1185 ] .

وللسلوك المعتاد تأثير قوي على النفس البشرية ، ففيه تربية على الثبات وتعزيز للمفاهيم وتقوية للإرادة وبذا يجنبها كثيرا من الانحرافات والانتكاسات . ومن إيجابيات السلوك المعتاد أنه اقتصاد للجهد الفكري والحركي وسرعة الأداء مما يتيح المجال لأنشطة أخرى . بالإضافة إلى أن العادة تجعل الإنسان ذا استعداد نفسي لأداء السلوك الاعتيادي في المواقف المناسبة (1)

فإذا عود المرء على الفضائل فإنها تنقاد له وإذا تهاون في ذلك فقد تصبح مستعصية كما قال الشاعر:

والنفس كالطفل إن ترضعه شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم .

يقول زغلول النجار: إن تكوين الأخلاق الفاضلة لا يتم بالوعظ فقط ولا بالحفظ وحده ولا بالاقتناع العقلي بمفرده بل يحتاج إلى ممارسة فعلية يقوم بها الإنسان حتى يتعود هذه الأخلاق الفاضلة فتصبح جزءا من كيانه وطبيعة فيه لا يطمئن قلبه بغيرها ولا يرتاح ضميره إذا خرج عليها فتعود المرء على النظام والأمانة وضبط النفس والتعاون مع غيره والتسامح مع المخالفين له والتضحية في سبيل المجموع يتطلب مرانا وممارسة من الإنسان طوال حياته حتى تتأصل تلك الخصال فيه . (2)

وتثبيتا لهذا الأسلوب فقد أوكلت التربية الإسلامية تطبيقه لكل فرد حسب طاقته وقدرته . عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة قال: من هذه ؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها . قال: مه عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا . وكان أحب الدين ما داوم عليه صاحبه .

[ البخاري: 1/30 ]

قال الإمام النووي - رحمه الله - مه كلمة زجر ونهي ، ومعنى لا يمل الله لا يقطع ثوابه عنكم وجزاء أعمالكم ويعاملكم معاملة الحال حتى تملوا فتتركوا ، فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم (3) . وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي الأعمال أحب إلى الله تعالى ؟ قال: أدومها وإن قل .

[ البخاري: 4/184 ] .

واستنبط ابن رجب - رحمه الله - من هذا الحديث أمرين هامين تتميز بهما الأعمال التي يحبها الله عز وجل هما (1) :

أولا: ما داوم عليه صاحبه وإن كان قليل المقدار أو العدد

ثانيا: ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير دون ما كان على وجه التكلف والاجتهاد والتعسير ، أي حسب كل إنسان بذاته .

ومن التطبيقات التي يراها الباحث لهذا الحديث أن يكتفي المرء في قيام الليل بثلاث ركعات أو خمس مع المداومة عليها خير وأفضل عند الله من صلاة أحد عشر ركعة أو أكثر في ليلة من الليالي ثم الانقطاع عن هذه العبادة في الليالي التالية . كما أن صيام يوم واحد أو ثلاثة أيام من كل شهر أحب إلى الله من صيام عدة أيام في شهر من الشهور ثم الانقطاع ... وهكذا في سائر العبادات والأعمال الحسنة . فكل إنسان يعرف قدر استطاعته فيثبت عليه ولا ينقص منه ، روي عن الحسن قوله (2) : إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداوما على طاعة الله عز وجل فبغاك وبغاك ، فإن رآك مداوما ملك ورفضك ، وإذا رآك مرة هكذا ومرة هكذا طمع فيك

ومن فضل الله وكرمه أن المسلم إذا اعتاد وداوم على طاعة من الطاعات ثم جاء ما يصرفه عن أدائها من عجز أو مرض أو فتنة ، فإن أجره لن ينقطع ولن يتوقف حتى يزول ذلك الصارف ، والدليل على ذلك ما رواه أبو بردة قال: سمعت أبا موسى مرارا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا [ البخاري: 2/357]

وفي الحديث: إذا اشتكى العبد المسلم قال الله تعالى للذين يكتبون اكتبوا له أفضل ما كان يعمل إذا كان طلقا حتى أطلقه

[ أحمد: 2/502 ، وانظر الصحيحة رقم 1232]

وليرغب هادي البشرية أفراد أمته في المداومة على عبادة الله من الصغر حتى الكبر ومن الشباب حتى الشيخوخة يقول: الشيب نور المؤمن ، لا يشيب رجل في الإسلام إلا كانت له بكل شيبة حسنة ورفع بها درجة

[ رواه البيهقي في الشعب ، نقلا عن الألباني في الصحيحة برقم 1243 ]

وورد أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ذلك الشاب الذي نشأ في طاعة الله ، فليحرص المرء في سيره إلى ربه أن يكون من العارفين لله في كل وقت من الأوقات ومن الذين يحرصون على فعل الطاعات في كل الأمكنة ، فإنه بذلك يقطع دابر شياطين الإنس والجن

ثانيا: ملء الفراغ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت