الصفحة 937 من 3812

إما بالوعيد بجزاء الفعل في الآخرة كقوله تعالى: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) (1) وكما في تهديد الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهرقل الروم: ( فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ ) (2) الأريسيين جمع الأريس . قال ابن ححر: الأريس قيل معناها الأكار ـ أي الفلاح ـ وقيل معناها الأمين، أي تقال للتابع والمتبوع ، والمعنى في الحديث صالح على الرأيين ، فإن كان المراد التابع فالمعنى أن عليك مثل إثم التابع لك ترك الدخول في الإسلام ، وإن كان المتبوع فكأنه قال فإن عليك إثم المتبوعين ، وإثم المتبوعين يضاعف باعتبار ما وقع لهم من عدم الإذعان إلى الحق من إضلال أتباعهم . (3)

أو تهديد بفعل كتهديد إبراهيم ـ عليه السلام ـ قومه بتكسيرأصنامهم في قوله تعالى: ( وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ) (4)

ب ـ الغلظة بالقتال:

ويكون هذا مع أهل الحرب من الكفار . قال تعالى: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ) . ( 5) قال ابن كثير:"معناه: غلِّظ عقوبتهم، وأثخنهم قتلًا؛ ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة" ( 6) وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) . (7)

قال القرطبي: أمر الله نبيه أن يجاهد الكفار بالسيف والمواعظ الحسنة والدعاء إلى الله. والمنافقين بالغلْظة وإقامة الحجة، وأن يعرّفهم أحوالهم في الآخرة. (8)

ويكون القتال بالترتيب الأقرب فالأقرب . قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) (9) . قال القرطبيُّ:"أي: شدة وقوة" (10) وقال ابن كثير:أي: وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم لهم، فإنّ المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقًا لأخيه المؤمن،غليظًا على عدوه الكافر (11) أي ابدءوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم دارا دون الأبعد فالأبعد. وكان الذين يلون المخاطبين بهذه الآية يومئذ الروم، لأنهم كانوا سكان الشام يومئذ، والشام كانت أقرب إلى المدينة من العراق. فأما بعد أن فتح الله على المؤمنين البلاد، فإن الفرض على أهل كل ناحية قتال من وليهم من الأعداء دون الأبعد منهم ما لم يضطرّ إليهم أهل ناحية أخرى من نواحي بلاد الإسلام. (12) ، وقال قتادة: الآية على العموم في قتال الأقرب فالأقرب، والأدنى فالأدنى. (13)

ثانيًا: الترتيب المضموني ( الموضوعي ) :

والمقصود به موضوع الدعوة ، فلا بد أن يخضع هذا الترتيب لحال عقيدة المدعوين كما يلي:

1 ـ تقرير عقيدة الربوبية:

لقد فطر الله الناس على الفطرة عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ) ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (14) " (15) . والفطرة تدعو المرء إلى الاتجاه إلى الخالق ، لكن الإنسان تحيط به مؤثرات تجعله ينحرف حينما يتجه إلى المعبود الحق . (16) وتزداد المؤثرات على الإنسان فيعتقد بإيجاد الدهر له وللكون قال تعالى: ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (17) فأول مرتبة يبتدأ بها المدعو عند هؤلاء تقرير عقيدة الربوبية ودعوتهم إلى إفراد الله بالخلق والملك والتدبير وإيقاظ تلك فطرة التي خلقهم الله عليها ودعوتهم إلى التدبر بأنه لا بد لكل مخلوق إلى خالق، والتأمل في خلق الكون ومايحويه من مخلوقات من مد الأرض، ورفع السماء، وإيلاج الليل والنهار، وتكوير الكواكب، وتسخير الفلك، وتسيح الرعد، وإنزال الماء، وإرسال الرياح، وخلق الإنسان وتطور ذلك الخلق، وتصويره في الأرحام وتسخير الكون كله له، ووصف البعث، والجزاء وجميع الدلائل على قدرته، والدلالة على أنها الخالق والمالك لها ومدبرها واحد. والآيات على ذلك كثيرة ."

2 ـ تقرير عقيدة الألوهية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت