الصفحة 799 من 3812

إن التدين الحقيقي صورة لجوهر النفس بعد ما استكانت لله ونزلت على أمره واصطبغت بالفضائل التي شرعها ، وترفعت عن الرذائل التي حرمها واستقامت على ذلك استقامة تامة .

هذا التدين وحده هو الذي تلتمس منه الأسوة ويقتبس منه الهدى ، ويؤسفني أن أقول: أن هذا الضرب من التدين العالي نادر الآن ، وأن أشعة الكمال المنبعثة من وهجه لا تكاد تُرى ، بل عن نفر من الناس الذين لا دين لهم أقرب إلى المسلك الصحيح وأجدر بالقوامة على شتى الوظائف من الذين انتسبوا إلى الدين ، وحملوا عنوانه دون اصطباغ به وتشرب لروحه !!

وعندما يُنكب الدين بأقوام كثيرين على هذا الغرار فالمجال واسع لشيوع الإلحاد وانتشار المعصية والعدوان .

قال لي صديق: إن فلانًا"الأوروبي"إذا وكلت إليه مهمة خرجت من بين يديه متقنة الأداء ، ظاهرة الجودة ، أما فلان الذي يُكثر الصلاة فقلما يريحني في إحسان واجب"."

لقد جزعت لهذه المقابلة بين الشخصين ، ولم يسؤني منها أنها باطل - إذ هي حق - ، وإنما ساءني منها أن ذلك"التدين"الكسول دعاية شنيعة ضد الصلاة ، إنها القدوة الرديئة تعمل عملها ضد المثل الرفيعة والمبادئ الفاضلة ، وقد لاحظت أن الأجنبي - في أغلب الأحيان - يرى خدشًا لكرامته وطعنًا في كيانه أن يصدر العمل عنه ناقصًا، فهو يجوده احترامًا لنفسه ، وصيانة لشخصه ، على حين تجد مواطنًا ينتمي إلى الدين - كما يزعم - ثم هو يقوم بالعمل على أسوأ الوجوه ويبسط لسانه بالجدل الطويل في تسويغه وإقناع الآخرين بقبوله !

ولعلنا لم ننس قصة المهندس الذي أشرف على بناء جسر السلطان أبي العلاء - وكان أجنبيًا - فإنه لما رأى عمله لم يصل إلى درجة الكمال التي ينشدها رمى بنفسه من فوق الجسر العالي فهوى بين أمواج النيل ، وكاد اليم يبتلعه لولا إسعاف المنقذين .

لقد أحس غضاضة من أن يعيش بعدما فشل في إحسان العمل الذي كلف به ، إنما أثبت هذه القصة لأني أعرف أناسًا مثله ، وقعوا في شر من تفريطه ، وخرج العمل من بين أيديهم مبتورًا مشوهًا ، فلما عوتبوا شرع كل منهم يتنصل ويعتذر أو يهز كتفيه ملقيًا العتبة على غيره .

ولعله بعد ذلك جلس إلى مكتبه يجرع القهوة في كبرياء !! أيصلح هؤلاء أمثلة للإسلام ؟! قل لي بالله: كيف يهوى سلوك الفرد منا إلى هذا الحد ثم ينتظر أن يُحترم الإسلام ويُقَبلُ عليه !!

إن الدعوة إلى الإسلام تكون أولًا بعرض ثماره في الأخلاق والأحوال ، أعني ثماره في أتباعه المؤمنين ، ويومئذٍ ترجى الإجابة ويرتقب الاهتداء .

ولنعد إلى أسباب انتشار الإسلام أيام السلف الصالح ، إن خلق الدولة ، وصلاح أنظمتها ، وكفالتها أكبر حظ من العدالة والسعادة للأفراد ، كان الباعث الأعظم على دخول الناس في دين الله أفواجًا ، وقبولهم عن طيب خاطر ، الانضواء تحت راية الإسلام ، بل غبطتهم ؛ لأن دائرة هذا الدين بلغت في الرحابة حدًا جعلتهم يأوون إليها وهم وافرون أعزاء ، حتى أيام اضطراب أجهزة الحكم في الدولة الإسلامية وقصورها عن التحليق مع المثل الرفيعة التي نشدها الإسلام في اختيار الحكام .

إن هذا القصور لم يقدح في مدى الخير الذي يحرزه الناس - على اختلاف اللون والمذهب - تحت علم الدولة الجديدة ! ذلك أنه أعلى درجة ألف مرة من الخير الذي رأوه في ظل أكاسرة فارس وقياصرة الروم .

وحين تتابع أوصاف المسلمين الفاتحين - كما شرحها بعض المنصفين من المستشرقين - نجد أن الجماهير رمقت حملة العقيدة الظافرة بشيء من الدهشة ، ورأت فيهم نماذج خلابة للفضل والعدل ، فلم يمكثوا غير قليل حتى زاحموهم عليها !

أجل .. زاحموهم عليها ، ونافسوهم فيها ، واعتنقوها ليعملوا بها مثل أو أجل من أصحابها الذين نقلوها مصداق قول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -: (( رُبَّ مبلغ أوعى من سامعٍ ) )، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (( رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) ).

الإعجاب بالإسلام في أحوال الفرد ، والإعجاب بالإسلام في أحوال الدولة هو وحده السبب الفعال في تزاحم الخاصة والعامة على هذا الإسلام وارتضائهم له .

والإعجاب لا ينبت في النفس خبط عشواء ، أتظن العقول النضرة تعجب بالعقول الخرفة ؟ ، أتظن الأخلاق الرضية تعجب بالأخلاق الرديئة ؟ أتظن المتقدم في افكاره ومشاعره يعجب بالمتخلف في هذه وتلك .. كلا .. كلا .

إن المسلمين استحقوا أن يتأسى الناس بهم ، وان ينسجوا على منوالهم ، وأن يقلدوهم في أقوالهم وأعمالهم ، وأن يهجروا لغاتهم الأصلية إلى اللغة العربية الوافدة ؛ لأن المسلمين كانوا يمثلون في العالم نهضة مجددة راشدة مسعدة ، والمعجب بك قد يذوب فيك ، وذلكم هو ما حدث في ( المستعمرات ) التابعة من قرون للشرق والغرب ، أعني لـ"فارس"و"الروم"، يوم زحفت عليها جيوش الإسلام ، وانساب في جنباتها .

إن من الغباء البالغ أن تنتظر أحدًا يؤمن بك عقب انتصار في معركة جدل ، أو انتصار في ميدان حرب

إن المقهور في أحد الميدانين قد يستسلم راضيًا أو ساخطًا ، بيد أنه لن يتبعك عن إخلاص ، ولن يشاكك الشعور والفكر أبدًا ، ومن ثم نرى لزامًا علينا التوكيد بأن القدوة وحدها ، وما يبعث على الاقتداء من إعزاز وإعجاب هما السبيل الممهدة لنشر الدعوة في أوسع نطاق .

اكتساب مهارات الدعوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت