كما يجب أن تقوم الدعوة بدور فاعل في جمع زكاة المال من المسلمين، إذا تيسر دون مشكلات أو مضايقات، وكذلك حث الناس على أبواب الخير الأخرى، كالصدقات المطلقة والصدقة الجارية والوصية قبل الموت والوقف على أعمال البر وكفارات الأيمان والنذور، ورعاية طلبة العلم وبناء المساجد وحفر الآبار ونحو ذلك من أوجه الإنفاق وأضعاف ذلك ولا ريب.
وإذا تصدرت الدعوة لمثل هذا النشاط فلا بد أن يكون لديها جهاز إداري ذو كفاءة وقدرة على عملية جمع النفقة وإدارتها وكيفية إنفاقها أو استثمارها على حسب الضوابط الشرعية التي أقرتها الشريعة؟؟؟
كما أنه من الأهمية بمكان أن يكون لهذا الجهاز الإداري لجنة شرعية تراقب تعاملاته، أو أن يستعين ذاك الجهاز بالعلماء ويستفتونهم في المسائل المتعلقة بعملهم.
إن المال المبارك الذي ينفقه أي مسلم على الدعوة جزء من الجهاد في سبيل الله، بل ركن عظيم منه، وجُلُّ الآيات التي تحدثت عن الجهاد في سبيل الله قرنت الإنفاق بالقتال... وليست العبرة بالكثرة، بل العبرة بفعل النفقة نفسها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (سبق درهم مائة ألف درهم: رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف فتصدق بها) . رواه النسائي وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع.
ويغيب عن كثير من الدعاة والغيورين على الصحوة حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) . فما داوم الناس في إنفاقه على الدعوة - وإن قل - أكثر بركة وأعظم نفعا من الكثير المنقطع، فالله عز وجل إذا أحب عملا من ابن آدم باركه له وأعانه عليه كما قال تعالى: {إن رحمت الله قريب من المحسنين} وكما قال سبحانه: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} ، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال لي: أَنْفق أُنْفق عليك) رواه مسلم في الصحيح.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا) رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله بعفو إلا عز أو ما تواضع أحد لله إلا رفعه) رواه مسلم أيضا.
إياك والإحباط
وهذه القلة في المال والإمكانيات ما ينبغي أن تفت من عضد الدعاة وتقنطهم من نصرة الله ومعونته، فالعقيدة الصامدة الشامخة مع بذل المستطاع يستجلب معونة الله على حسب موعوده سبحانه في قوله: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين} وقال عز وجل: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون} ، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المعونة تأتي من الله على قدر المؤونة، وإن الصبر يأتي من الله على قدر البلاء) .
ويمكننا أن نمثل بكرامات معاصرة لإمكانيات قليلة تيسرت للدعاة واستطاعوا بها أن يفتحوا أبواب بلاد وقلوب عباد، ولكننا نمثل بنموذج واضح بين، وهو نموذج الصحوة الإسلامية في العالم كله، حيث تقل الإمكانيات الدعوية أو تنعدم، بل وتحارب من كل قوى الاستكبار العالمي، ويطارد الدعاة ويشردون، وتحمل عليهم وسائل الإعلام بحملات تشويه مسعورة، إضافة إلى ما يعانيه صف الدعاة من فرقة وتشرذم أيضا، ولكنهم يخرجون بعافية أكثر من ذي قبل ونصر أعلى من السابق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وما أخال ذلك إلا من بقية إخلاص وقليل من البذل المبارك وعدد من الدعوات الصادقة الخالصة، فكيف بنا نحن معاشر الدعاة لو تمحض صدقنا وإخلاصنا ولو تكاتفت سواعدنا في التعاون والنفقة والبذل لدين الله تبارك وتعالى.
المجهود الفردي
وعلى صعيد المجهود الفردي، فالمال وسيلة مهمة لكل نشاط، ويستطيع كل داعية إلى الله بل كل غيور أن يكون صندوقا للدعوة في كل منطقة ينادي الغيورين على الدين للبذل ولو بالقليل، وقد أخبرني بعض الدعاة أنه يلزم إخوانه ببذل قروش (بمعنى القروش الحقيقي) كل يوم، فتعاظم عنده من المال ما قام به بمشروعات كثيرة.
وإذا تعسر مثل هذا النظام فليجعلها كل داعية في خاصة نفسه، يُسِرُّ إلى إخوانه بمشروعات الدعوة - ولو كانت صغيرة كعيادة مرضى أو تأليف قلب عاص بهدية ونحو ذلك - ويجمع منهم ما يستطيع به تنفيذ ذلك المشروع.
وما أخال الأمر عسيرا على أحد: أن يدخر الداعية من حر ماله هو ما ينفق به على الدعوة، ولا خير في داعية لا يحتوش من طعامه وشرابه ولباسه في سبيل دينه وأمته.
صراع الهويات.. وخصائص الهوية الإسلامية
قضية الهوية قضية محورية، أزعجت كل الناس، إذ إن كل جماعة أو أمة تعوزها الهوية المتميزة ليمكنها المعيشة والمحافظة على وجودها؛ فالهوية هي التي تحفظ سياج الشخصية، وبدونها يتحول الإنسان إلى كائن تافه فارغ غافل تابع مقلد؛ لأن للهوية علاقة أساسية بمعتقدات الفرد ومسلماته الفكرية، وبالتالي تحديد سمات شخصيته فتجعله إنسانًا ذا قيمة ولحياته معنى وغاية.
والهوية معناها: تعريف الإنسان نفسه فكرًا وثقافة وأسلوب حياة.. أو هي مجموعة الأوصاف والسلوكيات التي تميز الشخص عن غيره.
وكما أن للإنسان هوية كذلك للمجتمع والأمم هوية.. فهناك مجتمع إسلامي، ومجتمع علماني، وهناك النصراني، وأيضا الشيوعي والرأسمالي.. ولكل منها مميزاتها وقيمها ومبادؤها.