الصفحة 795 من 3812

فالاستشراق، إذن ، قد مثل ولا يزال يمثل، تحديًا صارخًا أمام الفكر الإسلامي والدعوة الإسلامية، ونحن أمام هذا التحدي لا يكفي فقط أن نبدي الغضب والاحتجاج، الأمر الذي يعيبه علينا المستشرقون، بل ينبغي علينا أن نأخذ الأمر مأخذ الجد ونرد الصاع بالصاعين.. وهو ما تجده في المقال التالي بعنوان (مناهضة الفكر الاستشراقي) .

ــــــــــــــــــ

الدعوة إلى الله:"محمد شمس الحق"

المال.. دور حيوي وأثر فعال في إحياء الدعوات

جاء في جريدة الشرق الأوسط عدد الاثنين 20 ربيع الآخر 1420 هـ 2 أغسطس 1999 م الصفحة الأولى في عنوان بالخط العريض أن"بيل غيتس" (إمبراطور الكمبيوتر) يعتزم التبرع بـ 100 مليار (مائة ألف مليون) دولار للأعمال الخيرية.

والسبب كما جاء في طيّات الخبر (أنه أصيب بصدمة قاسية من جراء المناظر المروعة التي شاهدها أثناء زيارة للهند وجنوب أفريقيا؛ فقرر أن يبذل الجهود للمساعدة في تخليص العالم من الأمراض الخطيرة والقاتلة مثل الإيدز والملاريا من خلال المؤسسة الخيرية التي يرعاها والتي تحمل اسمه، بحيث يحتل المرتبة الأولى في قائمة المانحين من الأفراد في العالم) . انتهى الخبر.

إنما جئت بهذا الخبر وصدرت به كلامي لأشعل الغيرة في قلوب أهل الإيمان، ولا أقول في قلوب أهل الثروات والمال، والعظة واضحة جلية: ثروة تعادل احتياطي العملة الأجنبية الموجود في كل بنوك بلدة عربية أو يزيد، يتبرع بها صاحبها - الكافر - لمؤسسة خيرية باسمه، شفقة على مرضى الإيدز والملاريا، فكيف بنا ونحن مسلمون، والبذل في سبيل الدين واسع، ولو كان بالقليل من المال.

وأبو بكر الصديق رضي الله عنه خرج من ماله كله، والعظة فيه أقوم، ولكن الناس إذا سمعوا من يستخدم فئة المليار في التبرعات تعجبوا، وإذا كان كافرا زاد العجب، وإلا فإن خروج أبي بكر من ماله كله أوقع أثرا في القلب، وقد قال في ذلك الموقف لما سأله الرسول صلى الله عليه وسلم: (ماذا تركت لأهلك يا أبا بكر؟) قال: تركت لهم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم .

ولعمري فإن هذا هو المال المبارك: ما أنفقه صاحبه في سبيل الله، ولو كان به خصاصة، لا يرجو من الناس جزاء ولا شكورا ولا رياء ولا سمعه ولا أن يكون هو صاحب المرتبة الأولى بين المانحين ولا أن تكون مؤسسته على رأس قائمة مؤسسات العالم الخيرية.. ولا .. ولا..، ولكن كما قال الله تعالى: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} ، ثم لا يتبع ما أنفق منا ولا أذى، أولئك {لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} .

إن استثمار المال في كل مجال دنيوي محفوف بمخاطر الإفلاس والسرقة وإتلاف الجوائح واختلاس الخونة وكساد السلع وإعراض المشتري ومنافسة السوق، أما التجارة واستثمار المال في الدعوة إلى الله ونصرة الدين فمن أضمن الاستثمارات، فأصحاب هذا المال {يرجون تجارة لن تبور} وأصحاب هذا الاستثمار هم الآمنون يوم الخوف الأكبر، ولنتعظ ببذل أبي بكر الصديق للدين، ولنعتبر بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نفعني مال قط إلا مال أبي بكر) قال أبو هريرة: فبكى أبو بكر، وقال: وهل نفعني الله إلا بك، وهل نفعني الله إلا بك، وهل نفعني الله إلا بك. رواه أحمد والترمذي وابن حبان وغيرهم.

والبذل الذاتي للدين سيظل هو المورد الأساسي الذي تنفق منه الدعوة، وقد تبتكر الدعوة أساليب (سنتحدث عنها) في تحصيل المال الكافي للإنفاق على أوجه النشاط الدعوي المختلفة، وقد يكون لها أملاك خاصة تدر عليها أرباحا، ولكن العطاء الذي يمنحه الأفراد لدينهم يبقى هو الأصل والباقي كله فرع.

فالدعوة تحتاج أفرادًا كأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وأضرابهم من أثرياء الصحابة ممن أوقفوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله، فلم يقدموا على البذل للدين زوجا ولا ولدا؛ وذلك لأن الأصل أن المسلمين ما وجدوا إلى ليكون الإسلام مصدر عزهم في هذه الدنيا، فهم يبذلون في سبيل رفعته ونصرته، ويعلمون أن أي مال ينفق في سبيل الدين فهو في سبيل إعزازهم هم. ومن هنا كثرت النصوص الآمرة بالإنفاق، الداعية إلى البذل، لأن الإنفاق في حد ذاته عبادة مقصودة لكل مسلم، قال تعالى: {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} .

ونحن لن نعول كثيرا على إنفاق الحكومات، وإن كان مهما في ذات الأمر، وذلك لما يصحبه من مداخلات ومعوقات تقلل من فائدته، وتحول بينه وبين الانتفاع المثمر.

أسس لتوفير المال

ومن أهم الأسس التي يجب أن تعول عليها الدعوة الإسلامية في توفير النفقة اللازمة للمشروعات الدعوية أساس المبادأة في تحصيل النفقة والتبرع، لا الانتظار لما يفيض به المحسنون على الدعوة من فضول أموالهم؛ فيجب أن يلتزم كل الدعاة والمنتمون للصحوة بمبلغ مالي معتبر يقدمونه للدعوة كمورد ثابت، كل حسب استطاعته، كما يجب أن يسعى الدعاة لدى المحسنين من ذوي الكرم والمروءات والنجدة والديانة ليمدوا مشروعات الدعوة بما تحتاجه، ومن الأفضل أن تكون مشروعات الدعوة مدروسة ومنظمة ومعروضة على شكل بيان مكتوب، يمكن تقديمه للمحسنين ليقتنعوا بوجود مشروعات حقيقية تقوم بها الدعوة، والسيئ أن بعض الساعين في الأعمال الخيرية ضربوا مُثُلا غير لائقة في جمع التبرعات حتى احتاط أهل الإحسان في أموالهم فلم يعد البذل كما كان في الماضي لتغير الزمان وكثرة المتسلقين واللصوص الذين اقتحموا الميدان، فإلى الله المشتكى.

إدارة وكفاءة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت