وكانت غلبة الروح التنظيمية في العمل الحركي على حساب التجديد الفكري وخيمة العواقب، حيث تم إعلاء شأن الانضباط التنظيمي على مهمة بناء الشخصية المستقلة والبصيرة والناقدة، وتمت مصادرة حق الفرد في النقاش والاختلاف وإبداء الرأي، ما دامت (قيادة التنظيم) رأت رأيها، وتمت عملية (عسكرة) الحركة الإسلامية بتأسيسها على الطاعة العمياء والصارمة على حساب الطاعة الفاحصة والبصيرة، وكان من الطبيعي أن تموت ملكات الإبداع والتجديد الفكري والحركي والسياسي في ظل هذه الأجواء، الأمر الذي أدى إلى خسارة الحركة الإسلامية - بفصائلها كافة - لجهود أصحاب الفكر والباحثين عن التجديد، وأصبحت (الجماعات) عامل طرد للمميزين فكريا، ولذلك يعز أن تجد في حركة إسلامية رموزا فكرية مؤثرة، وتحولت الحركات - من ثم - إلى تنظيمات بلا قدرات فكرية خلاقة، وكان هذا من العوامل التي أدت إلى جمود الوعي الحركي والسياسي والمستقبلي
الحاجة إلى بعث جديد
إن الحركة الإسلامية في حاجة إلى بعث روح جديدة، وفكر جديد، وأخلاقيات جديدة، وعلى أكثر من صعيد، وصحيح أن هناك فروقات معينة بين كل فصيل وآخر، إلا أن جوهر الداء ستجده عند الجميع بدرجات مختلفة، بحكم أن المناخ العام الذي نعيشه والخبرات التي أسسنا عليها حركيتنا - هو من المشترك العام بيننا، وأملنا أن تكون الانتكاسات المتتالية التي مرت بها الحركة، والهشاشة العجيبة في محصلة جهدها في المجتمع على مدار أجيال طويلة - أملنا أن يكون هذا كله دافعا وحافزا يضطرها لفتح أبوابها أمام هذه الروح الجديدة، لاسيما ونحن نتحدث عن تيار لا ينقص أفراده الإخلاص والصدق وجذوة الإيمان
الداعية في مواجهة الآخر.. الانطلاق من النقطة الخطأ
أعادت أحداث الحادي عشر من سبتمبر العلاقة بين الإسلام والغرب إلى نقطة الصفر، حيث الألغام تنتشر تحت أقدام من يحاولون عبور الهوة بين الجانبين، وأزمة الثقة وسوء الفهم والاتهامات المتبادلة تسيطر بصورة خاصة على المربع الغربي، في حين تولى المسلمون دور الدفاع عن دينهم من اتهامات هو بريء منها.
وما يهدف إليه هذا التحقيق هو تقديم تصور سليم للعلاقة بين الداعية المسلم والآخر، ووصف السلبيات في العلاقة الحالية، ورسم المنهج الصحيح الذي يجب اتباعه لتصحيح صورة الإسلام، وإقامة ما يسمى بحوار الأديان والحضارات على أسس سليمة، لا يكفي معها حسن النية وحده، وهو الأمر الذي أدى إلى فشل الحوارات السابقة.
الحوار والتراجع المرفوض
يقول الأستاذ الدكتور طه الدسوقي، أستاذ العقيدة والأديان بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر: إن العالم الإسلامي امتلأ في الفترة الأخيرة بصيحات تردد صداها في كل ركن من أركانه، تتحدث عما يجب على المسلمين أن يفعلوه في علاقاتهم بغيرهم من الشرقيين أو الغربيين، وهذه الصيحات تطالب المسلمين والغربيين جميعًا بنبذ فكرة الصراع بين الأديان والحضارات، وأن يسعوا إلى الحوار في كل المجالات بما فيها الدين.
ويضيف د. الدسوقي: لكن هذه الصيحات تلاحقت بسرعة مذهلة لتكشف عن النوايا وراءها، كما وضعت دعاة هذه الفكرة في العالم الإسلامي على وجه الخصوص في حرج بالغ أمام التاريخ وأمام أممهم، وبناء على هذا الكشف فإن فكرة الحوار فيها مغالطات كثيرة، تبدأ من كلمة الحوار نفسها والذي يجب أن يسلكه الداعية في التوجه نحو الآخر، إذ إنه علينا أن نفهم أنه إذا كان الحوار دائرًا حول ثقافة أو دين أو غيره فلا بد أن يقوم كلا المتحاورين بالتنازل شيئًا ما عن مبادئه وثوابته، أو يلزم ذلك أحدهما على الأقل.
وأمام هذا التراجع، فإن غير المسلمين أعلنوا إعلانًا جازمًا أنهم ليسوا في مجال الحضارات مستعدين أن يتنازلوا عن شيء ولا حتى"قلامة ظفر"على أساس أن حضارتهم وثقافتهم هي الحضارة والثقافة المعصومة من الخطأ، وعلى المسلمين وحدهم أن يتنازلوا عن أشياء كثيرة تتصل بشريعتهم اتصالا مباشرا، حتى لو كان يحكمها نص لا يقبل التأويل.
ويضيف د. الدسوقي: والشيء الغريب أن كثيرًا من المنادين بالحوار أو التوجه نحو الآخر من المسلمين قد تنازلوا متطوعين أو مأجورين؛ فدعوا إلى إحداث تغييرات في الشريعة وفي الفقه الإسلامي، وإعادة صياغة الشريعة والفقه على أسس غربية، من نحو فقه الواقع وفقه المصالح وفقه المقاصد أو أي فقه كان ما دام ذلك يخدم فكرة حوار الأديان !
ويؤكد د. الدسوقي مرة أخرى على أن ظلال كلمة الحوار أو التوجه نحو الآخر يؤكد أنه يجب أن يلزم أحد الطرفين - نحن والآخر- أن يتنازل مقهورًا عما لديه من أسباب الحضارة، وهو ما يفضي إلى سهولة الانقياد والتبعية للآخر من غير شعور بالأنفة أو التمسك بأسباب العزة، والحوار مع الآخر في ظل هذا المفهوم لا يعني إلا أن يتنازل المسلمون قهرًا أو طواعية عما لديهم من الشريعة والشعيرة، ويلتزم فقط بما في الإسلام من أخلاق كالصدق والرحمة والإحسان وغيرها من الصفات الحميدة.
أما في مجال العقائد - والكلام ما يزال للدكتور الدسوقي - فعلى المسلمين أن يضمروا في قلوبهم فكرة التوحيد، وألا يجاهروا بفكرة التنزيه لله تعالى، وألا يعلن المسلمون أن باب النبوة قد أغلق فضلًا عن المجاهرة بدعوى النبوة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فضلا عن أنه هو خاتم المرسلين.