هذه هي أبرز المشكلات والعقبات الخارجية التي تواجه الدعوة الإسلامية اليوم، وتعوق مسيرتها. والمتتبع لواقع الدعوة يرى الدعاة يجتهدون دائمًا في معالجة مثل هذه العقبات، وتختلف آراؤهم واجتهاداتهم في الأساليب والوسائل المتبعة في ذلك. ولكن الملاحظ: أنهم كلما عالجوا مشكلة أو عقبة، برزت أمامهم تلك العقبة والمشكلة أو غيرها بثوب جديد وصورة مغايرة.. مما قد يصيب البعض بنوع من الاستسلام أو اليأس! وهذا يدعونا إلى أن نختار طريقًا جديدًا في معالجة هذه المشكلات الخارجية ..ومن طرق العلاج:
أولا: التنبيه إلى المعالم الإلهية والسنن الربانية في هذا الأمر، ذلك لأن المشكلات الخارجية - كما سبق - مشكلات قديمة، واجهت الدعوة إلى الله في جميع مراحل تاريخها. فما من رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام إلا وقد واجه وقومه المؤمنون معه مثل هذه العقبات والمشكلات، وكانت العاقبة للمؤمنين بعد ذلك.
ولم تكن العقبات في زمنهم خفيفة أو بسيطة - كما يتوهم البعض - وإنما كانت في بعض الأحوال والأزمان على أشدها وأقواها، والشدة والخفة أمران نسبيان من وقت لآخر بحسب طبيعة كل عصر وإمكاناته. ولكنها سنة الله الثابتة التي لا تتغير. قال تعالى: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} [الإسراء:77] . وقال أيضًا: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب:62] .
وقد لخص الله عز وجل معالم معالجة هذه العقبات الخارجية التي تواجه الدعوة الربانية مهما كان نوعها في أمرين اثنين متلازمين مترابطين هما:
1-التقوى: فقد جاءت آيات عديدة تربط بين هذين الأمرين في مجال معالجة العقبات والنجاة من كيد الأعداء ومكرهم فقال تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران:120] . وقال أيضًا: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ} [آل عمران:186] . كما قال بعد عرض العقبات والمشكلات التي واجهت يوسف عليه السلام: {قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:90] .
ولكننا أيها الأحبة كثيرًا ما نمر على هذه الآيات القرآنية وأمثالها ولا نتنبه إلى معانيها، وإلى أنها تقرر حقيقة قاطعة وسنة ثابتة في الصراع بين الحق والباطل إلى يوم القيامة، لابد للمسلمين من الإفادة منها، والعمل على أساسها، وإلا كان عملهم دون جدوى..!
ومما يجدر التنبه إليه والتبصر به في هذا المقام: أن التقوى التي يتحدث عنها القرآن ويأمر بها ويكررها على مسامعنا، ليست كلمة تقال، أو دعوى تدعى، إنما هي حالة نفسية خاصة، تعرف بآثارها ومظاهرها.
كما أن الصبر المذكور في هذه الآيات الكريمة ليس أمرًا هينًا، وإنما هو من عزائم الأمور التي تتطلب جهادًا ومجاهدة، والتي تعرف بمظاهرها وآثارها أيضًا. ولعل من أبرز مظاهر التقوى المطلوبة في مواجهة العقبات:
1-إخلاص المؤمن لله عز وجل في نيته وقوله وعمله وجميع شؤونه. فالإخلاص هو الذي يقي الأعمال من أن تحبط وتضيع آثارها، وهو الذي يقي صاحبه من كيد الأعداء في الدنيا، ومن نار الله في الآخرة. وقد جاء في الحديث الشريف:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
2-التزام طاعة الله سبحانه واجتناب نهيه، ومن هنا عرف بعض العلماء التقوى بقوله:"أن لا يراك الله حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيث أمرك". وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70، 71] .
3-التواصي بين المؤمنين بالحق والصبر، وتبادل النصيحة والشورى فيما بينهم، والتآمر بينهم بالمعروف والتناهي عن المنكر. قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-3] . وجاء في الحديث الشريف:"الدين النصيحة"فجعلها أساس الدين وجوهره.
4 ـ إتقان العمل الصالح، والاستمرار عليه، وتوخي الحكمة فيه:"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه". ومن العمل الصالح الذي يدخل في هذا: الاستمرار في دعوة الآخرين إلى الحق والهدى، والحرص على هداية الناس، وعدم اليأس من صلاحهم، فبالدعوة الصحيحة الحكيمة قد ينقلب العدو صديقًا، وتتحول قوة الأعداء إلى قوة للمسلمين، حكما حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية.
5 ـ تحقيق وحدة الصف بين العاملين، ونبذ الشقاق والتفرق عنهم، ولاسيما عند مواجهة الأعداء. قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46] . وقال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف:4] .