كلما كانت الدعوة عظيمة وإلى أمر عظيم كانت المشكلات التي تواجهها أكبر والعقبات في طريقها أكثر وأخطر، ويعتمد نجاح مثل هذه الدعوات على مدى قدرتها على حل تلك المشكلات ومواجهة تلك العقبات .
والدعوة إلى الله ليس شيئ من الدعوات أعظم منها ولا أكرم ولا أجل؛ ولذلك كانت العوائق والعقبات في طريقها أكبر من غيرها وأقوى.. ونعني بالعقبات والمشكلات هنا"مجموعة الأخطاء والمعوقات التي يقع فيها الدعاة أو يواجهونها في طريق دعوتهم سواء كانت داخلية أو خاريجية".
وسوف نبدأ في حديثنا بالجانب الخارجي منها إذ هي التي ينصرف إليها ذهن الناس عند الإطلاق، وهي أشد وضوحا وأكثر بروزًا وظهورًا للدعاة والمدعوين على السواء، يحذرون منها ويخططون لمواجهتها.. وهذه العوائق يمكن إجمالها في عدة أمور أساسية:
أما العقبة الأولى: وهي مكر الأعداء والكيد والتخطيط لمحاربة الدعوة والدعاة: وهذه سنة من سنن الله الثابتة في هذه الحياة، ومَعلَم من معالم الصراع بين الحق والباطل في تاريخ الدعوة. قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30] . {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ:33] . وقال أيضًا: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم:46] . وقال: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:42] . كما قال سبحانه: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق:15-17] .
فكل هذه النصوص القرآنية تؤكد ثبوت المكر والكيد لهذا الدين، كما تؤكد شدته واستمراريته.
أما العقبة الثانية: فهي تعاون الأعداء في سبيل تطبيق هذا المكر وتنفيذ ذاك الكيد: فهذه أيضًا حقيقة قائمة، وسنة ثابتة، كشف عنها القرآن الكريم وأخبر بها الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم؛ فقال سبحانه: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [النمل:48-53] .
وجاء في الحديث الشريف الذي رواه أبو داود وأحمد:"يوشك أن أن تداعى عليكم الأمم من كل أُفُقٍ كما تداعى الأكلة على قصعتها، قلنا: يا رسول الله! أمِن قلة بنا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاءً كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن. قلنا: وما الوهن؟ قال: حب الحياة وكراهية الموت".
أما العقبة الثالثة: فهي تنوع أساليب الأعداء في مواجهة الدعوة والدعاة: فإن أساليب الأعداء في هذا كثيرة وعديدة، فمنهم من يدخل على المسلمين في مواجهات صريحة مكشوفة للقضاء عليهم واستئصال دعوتهم، ومنهم من يحاول الاحتواء للدعوة وأصحابها، ومنهم من يعمد إلى المراوغة والمخادعة، ومنهم من يستدرج الدعاة إلى ما فيه حتفهم وهلاكهم.
فكلما استنفد الأعداء أسلوبًا أو ثبت لهم فشله في مكان، اختاروا أسلوبًا آخر جديدًا مناسبًا وعملوا على تطوير أساليبهم باستمرار على وجه يحقق لهم أهدافهم ويوصلهم إلى غاياتهم. وقد عرض القرآن كثيرًا من تلك الأساليب المتنوعة التي استخدمها أعداء دعوة الله على مدى التاريخ، والتي لا يزالون يكررونها ويطورون فيها إلى اليوم.
أما العقبة الرابعة: فهي المتمثلة في قوة وسائلهم المادية، وتسخير العلوم الحديثة والدراسات والتقنيات في سبيل تحقيق أهدافهم: فإننا نرى بأم أعيننا ما وصلوا إليه من تقدم علمي وتقني في مختلف جوانب الحياة المادية. كما نرى كثرة مراكز الأبحاث والدراسات التي ينشؤونها ويصرفون عليها في سبيل دراسة واقع العالم الإسلامي من جميع جوانبه المادية والمعنوية.
كما يعقدون المؤتمرات والمعاهدات والندوات والاتفاقات بينهم وبين تلك الدول الضعيفة ليتمكنوا منها. فلا يوفرون وسيلة من الوسائل في سبيل تحقيق أهدافهم، عدا عن تفوقهم العلمي والتقني.
تصور لطرق العلاج