الصفحة 461 من 3812

أما الخاسرون في ميزان الإسلام فهم ليسوا أولئك الذين خسروا أموالهم في الدنيا بالتجارة أو بغيرها، لكنهم الذين خفت موازينهم يوم القيامة بسبب قلة أعمالهم الصالحة التي قاموا بها عندما كانوا في الدنيا، لذلك قال تعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون:103] .

فميزان الناس في أغلب أحيانه إنما يعتمد على المظاهر وعلى أساسها يكون التمييز بين الناس، وأما ميزان الله فهو يزن الأمور والأشخاص بالبواطن مع الظواهر وبالسريرة قبل العلانية، وهذا عين ما وضحه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه كما روى البخاري عن سهل بن سعد قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع.قال:ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح ، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا).

فكان ميزان الله تعالى وميزان رسوله على النقيض من ميزان الناس، ومدار التفضيل والتكريم والرفعة عند الله على قدر ما في القلوب من الإيمان واليقين والدين.

من هو المفلس

ولترسيخ معنى مفهوم الربح والخسارة عند الصحابة رضي الله عنهم، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذات يوم مختبرًا تغلغل هذا المفهوم عندهم: (هل تدرون من المفلس؟) . قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع. قال: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" [رواه مسلم] ."

فهذا هو المفلس في نظر الإسلام، وذلك هو الرابح، الذي ربح الجنة ببذله المال والنفس في الدنيا.

وعلى ميزان الله يكون قارون رغم كل ما كان يملكه مفلسا وكل من دخل الجنة من فقراء زمنه أغنى منه: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص:83) .

لذة العبادة

روى الإمام البخاري وغيره عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم - أو تنتفخ - قدماه، فقيل له: يارسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟".

وفي البخاري أيضًا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء. قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي صلى الله عليه وسلم".

وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه:"صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبا من قيامه" [رواه مسلم] .

هذا كان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدق ابن رواحة حين قال:

وفينا رسول الله يتلو كتابه .. .. .. إذا انشق معروف من الفجر ساطع

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا .. .. .. به موقنات أن ما قال واقع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه .. .. .. إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

وجاء في كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي: عن سفيان بن عيينة قال: كان قيس بن مسلم يصلى حتى السحر ثم يجلس فيهيج البكاء فيبكي ساعة بعد ساعة ويقول: لأمر ما خُلقنا، لأمر ما خلقنا، وإن لم نأت الأخرة بخير لنهلكن.

وزار يوما محمد بن جحادة فأتاه في المسجد فوجده يصلي فقام قيس في الجانب الآخر يصلي دون أن يشعر به ابن جحادة .. فما زالا يصليان حتى طلع الفجر.

وفي سير أعلام النبلاء للذهبي: كان عبد العزيز بن أبي رواد يوضع له الفراش لينام، فيضع عليه يده ويقول ما ألينك، ولكان فراش الجنة ألين منك. ثم يقوم فيصلي.

وفيه: كان عبد الرحمن بن مهدي يختم كل ليلتين.. يقرأ في كل ليلة نصف القرآن.

وعن معاذة العدوية زوجة صلة بن أشيم قالت: كان صلة بن أشيم يقوم الليل حتى يفتر فما يجيء إلى فراشه إلا حبوا. وقال ثابت البناني: ان رجالا من بني عدي قد أدركت بعضهم إن كان أحدهم ليصلي حتى ما أتى فراشه إلا حبوا".. وذكروا مثل هذا عن علي بن الفضيل وجماعة ."

إنها لذة الطاعة

إن كل هذا الذي سقناه من كثرة الصلاة وطول القيام فيها، وصبر النفس على تحمل مشاق البدن ليدل على أن هناك شيئًا يحمل المتعبدين على الإقبال على عبادتهم من غير ملل، والوقوف فيها من غير نظر إلى تعب أو كلل.. وهذا الشيء لا شك ينسي النفس همومها، ويورث القلب تعلقًا يشغله به عن الإحساس بالتعب، أو حتى الالتفات إلى تورم القدم ثم تفطرها وتشققها من طول الوقوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت