الصفحة 460 من 3812

إن قاعدة سد الذرائع ودرء المفاسد من قواعد الدين العظيمة، فلما كان السفر إلى تلك البقاع الموبوءة والمستنقعات المشبوهة مما يسبب وقوع كثير من المسلمين في الخنا والزنا والفجور وشرب الخمور لتوفر هذه الأمور في تلك البقاع، إذ لا دين عندهم يمنعهم ولا أخلاق تردعهم، فلما كان الأمر كذلك جاء الشرع الحكيم ليسد هذا الباب الخطير حفظًا للدين وصيانة للأعراض؛ فالحمد لله رب العالمين.

بسم الله الرحمن الرحيم: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 26-28] .

فإن كل ذي عقل وإنصاف لابد وأن يقر للإسلام بالحكمة في منع سفر أهله إلى بلاد الكفر حفاظًا عليهم من الوقوع في تلك البلايا التي ذكرناها، وكذلك حماية لهم من مفاسد السفر التي تعود على الجميع ومن هذه المفاسد:

1-تنكر كثير من الناس للدين ورفضهم تعاليمه:

وركونهم إلى قوانين الغرب وأساليب حياتهم حتى أصبح من شباب المسلمين من يضع المساحيق على وجهه وأحمر الشفاه تشبَّهًا بهؤلاء المخنثين من الغربيين، مع محبة الخنا والزنا، والسعي وراء الشهوات وطلب المنكرات مما يزيد هذا البلاء في بلاد المسلمين فيعرض الجميع لسخط العزيز الجبار.

2-تذمر الفتيات من الحجاب والدعوة إلى التفسخ والسفور:

فهي تريد أن تكون مثل هذه التي رأتها تمشي بين الرجال تجالسهم وتضاحكهم وتمازحهم، مظهرة زينتها وفتنتها، ولقد بدأ هذا يفشو بين نسائنا، فبدأت الوجوه تظهر بكثرة، وبدأ الحجاب ينسحب رويدًا رويدًا، وإلى الله نشكو ضياع الأمة وموت عمر.

3-تلاشي مفهوم الولاء والبراء:

بين المسلمين والكافرين، وارتفاع بغضهم من قلوب المسافرين، نتيجة للمخالطة والمعاشرة، وفي هذا ضياع الجهاد والدعوة للإسلام، بل والدفاع عنه إذا اقتضى الأمر ودعت الضرورة.

4-التعود على رؤية المنكر:

وهذه أكبر المصائب لأن كثرة مشاهدة المنكرات تجعل المرء يعتاد عليها حتى تصبح أمرًا هينًا في عينه لا يتأثر بها قلبه ولا تشمئز لها نفسه، بل ولا يستحي بعد ذلك أن يراه الناس على شيء منها، وفي هذا فشو المعاصي وانتشار المنكرات مما يؤذن بخراب البلاد ودمار العباد.

ولا تتوقف مفاسد هذا السفر على هذه الأمور ولكنها من أهمها ومن هنا نعرف صدق كلام ابن الجوزي رحمه الله حين قال: السياحة في الأرض لا لمقصود شرعي كعلم أو دعوة أو نحو ذلك منهي عنها"."

فإذا كان هذا قولهم في السياحة التي لا معصية فيها، فكيف بسياحة التحلل والتفسخ؟.

نسأل الله أن يجعلها أجازة مباركة مليئة بطاعة الله ومقربة إلى رضوانه... آمين.

ميزان الإسلام

المتعارف عليه عند الناس أن من خسر ماله فهو الخاسر، ومن ربح مالًا إضافيًا على ماله فهو الرابح، وأن صاحب المال الوفير هو الغني وأن الفقير في نظر الناس من لا مال له، ولكن كثيرا ما يرى الناس أمورا هي في ميزان الله تختلف عنها في موازينهم..

يروي الإمام ابن كثير في كتابه البداية والنهاية عن صهيب الرومي رضي الله عنه عن بعض أحداث الهجرة فيقول:"وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وخرج معه أبو بكر، وكنت قد هممت معه بالخروج فصدني فتيان من قريش، فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد، فقالوا قد شغله الله عنكم ببطنه، ولم أكن شاكيا - فناموا .. فخرجت ولحقني منهم ناس بعد ما سرت يريدوا ليردوني، فقلت لهم: إن أعطيتكم أواقي من ذهب وتخلوا سبيلي وتوفون لي؟ ففعلوا، فتبعتهم إلى مكة، فقلت: احفروا تحت أسكفة الباب فإن بها أواقي، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين، وخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء، قبل أن يتحول منها، فلما رآني قال: (يا أبا يحيى ربح البيع) . فقلت: يارسول الله ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبرائيل عليه السلام".

وحادثة صهيب في الميزان البشري تعد خسارة لصهيب، ولكن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم له (يا أبا يحيى ربح البيع) تدل على أنه ربح في ميزان الله، ذلك أن موازين الإسلام تختلف عن موازين البشر في عقولهم المحدودة، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة:111] .

فعلى هذا يكون من باع نفسه وماله في سبيل الله رابحًا وضامنًا للجنة التي لا يوجد شيء على الأرض أغلى منها، بل إنه كما جاء في الأحاديث الصحيحة، إن الحورية من الجنة لو أطلعت لغطت شعاع الشمس، ولو وقع خمارها على الأرض لعطر الأرض كلها، إلى ما فيها من أنهار العسل واللبن والخمر والماء، وما فيها من الأشجار، التي سيقانها من الذهب، وما فيها من القصور المبنية من الذهب، وما فيها من النعم والملذات التي لا يحصى عددها إلا الله سبحانه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

فلا شك أن من ربح هذه الجنة مقابل بذله لما يملك من مال في الدنيا يكون رابحًا في ميزان الإسلام، وأنه لا يدخل أحد الجنة حتى يثقل ميزانه بالأعمال الصالحة، لذلك قال تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [لأعراف:8] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت